تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 614
وَبُكِيًّا: معطوف عليه وقيل: هو مصدر، وليس جمع باك، التقدير: خروا سجدا، وبكوا بكيا، وقرئ (بكيا) بكسر الباء مثل عِتِيًّا في الآية رقم [8] ، وجملة: خَرُّوا ... إلخ جواب إِذا لا محل لها، وإِذا ومدخولها في محل رفع خبر أُولئِكَ على اعتبار الموصول بدلا ... إلخ، ومستأنف على اعتبار الموصول خبر المبتدأ. تأمل، وتدبر.
[سورة مريم (19) : آية 59]
الشرح: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ: فجاء من بعد هؤلاء القوم الكرام، والنبيين العظام أولاد سوء. هذا؛ وفَخَلَفَ بسكون اللام يستعمل في الشر، والذم كما هنا، ويستعمل بفتح اللام في الخير والمدح، فيقال: خلف صدق وخلف سوء، واختلف في المراد هنا، فقيل: هم اليهود، والنصارى الذين حرفوا، وزيفوا شرائع الأنبياء، بل وقتلوا كثيرا منهم، وأهملوا عبادة اللّه من صلاة وغيرها. وقيل: هم في هذه الأمة، ولا ريب بأن كل من لم يسر على طريقة آبائه الصالحين، فهو خلف سوء.
هذا؛ والخلف: القرن، أو الجيل الذي يأتي بعد ما قبله. قال تعالى في الآية رقم [169] من سورة (الأعراف) : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ ... إلخ وقال البيضاوي: فَخَلَفَ مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد، وعلى الجمع. هذا؛ وخذ قول لبيد- رضي اللّه عنه-: [الكامل]
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وَبقيت في خلف كجلد الأجرب
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم:"يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله". وقد يتعاوضان فيستعمل مفتوح اللام في الشر، ويستعمل ساكن اللام في الخير. قال حسان بن ثابت- رضي اللّه عنه- مستعملا ساكن اللام في الخير يخاطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: [الطويل]
لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأوّلنا في طاعة اللّه تابع
وقال آخر مستعملا مفتوح اللام في الشر: [الرجز]
إنّا وجدنا خلفا بئس الخلف ... أغلق عنّا بابه ثمّ حلف
لا يدخل البوّاب إلّا من عرف ... عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف
هذا؛ وقال اللحياني: الخلف- بفتحتين-: الولد الصالح. والخلف- بفتح فسكون-: الولد الرديء.
أَضاعُوا الصَّلاةَ: جحدوها، أو أهملوها، أو أخروها عن وقتها، أو صلّوها غير صحيحة بإهمال شيء من شروطها، وأركانها، وواجباتها، وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم للرجل المسيء صلاته:
"ارجع فصل، فإنك لم تصل، ثلاث مرات". أخرجه مسلم عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-. قال