تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 682
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ: قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: لمّا حرم اللّه الرّبا؛ أباح السّلم، وقال: أشهد أن السّلف المضمون إلى أجل مسمّى، قد أحلّه اللّه في كتابه، وأذن فيه. هذا وهي تتناول جميع المداينات إجماعا، وقال خويز منداد: إنّها تضمنت ثلاثين حكما. بِدَيْنٍ: تأكيد مثل قوله تعالى في سورة الأنعام: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ وحقيقة الدّين عبارة عن كل معاملة، كان أحد العوضين فيها نقدا، والآخر في الذّمّة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدّين ما كان غائبا، قال الشاعر: [الوافر]
لترم بي المنايا حيث شاءت ... إذا لم ترمني في الحفرتين
إذا ما أوقدوا حطبا ونارا ... فذاك الموت نقدا غير دين
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي: معين معلوم، قال ابن المنذر: دلّ قوله تعالى على أنّ السّلم إلى الأجل المجهول غير جائز، ودلّت السّنّة على مثل معنى كتاب اللّه، فقد ثبت: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قدم المدينة، وهم يستلفون في الثّمار السّنتين، والثلاث، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» . رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما-. وجوز المالكية السّلم إلى الحصاد، والجذاذ؛ لأن ذلك يختصّ بوقت، وزمن معلوم.
فَاكْتُبُوهُ: أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة، والحفظ، فأمر العباد أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم، قال ابن جريج- رحمه اللّه تعالى-: من ادّان فليكتب، ومن ابتاع، فليشهد؛ فقد روى الإمامان: الحافظ ابن مردويه، والحاكم في مستدركه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: «ثلاثة يدعون اللّه فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيّئة الخلق فلم يطلّقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلا مالا، فلم يشهد» قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، وقال قتادة- رحمه اللّه- ذكر لنا أنّ أبا سليمان المرعشي، كان رجلا صحب كعبا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعا إلى أجل، فلم يشهد، ولم يكتب، فلما حلّ ماله جحده صاحبه، فدعا ربّه، فلم يستجب له؛ لأنه قد عصى ربّه.
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ أي: بالقسط، والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة، ولا نقصان، ومن غير تقديم أجل، أو تأخيره. قال الإمام مالك رحمه اللّه تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون.
وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ: ولا يمتنع كاتب من كتابة وثيقة بين المتداينين.
واختلف في وجوب الكتابة على الكاتب، والشهادة على الشاهد، فأحسن ما قيل: إنه فرض