{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الآية: (80) سورة البقرة.
المس واللمس والحس والجس تتقارب ، إلا أن الحس عام فِي المحسوسات والجس فيما يخفى ويدق كنبض العرق والخبر الخفي ، واللمس بظاهر البشرة ، وكل ذلك يقال عند تأثير المحسوس فِي المس وبغيره لأجله ، واللمس كالطلب للمس ، وقد ينفك منه ، ولذلك قال:"وألمسه فلم أجده"، وجعل المس كناية عن النكاح تارة ، وعن الجنون تارة ، فقيل: بفلان مس ، وهو ممسوس ، والمسوس من الماء ما مسته الأيدي ، ولا كانوا كل وعد عقداً ما وكل عقد عهداً ما كان كل وعد عهداً ، فصح أن يعبر عن
الوعد بالعهد ، ولكونه وعدأ استعمل منه الإخلاف ، ومعدودة قليلة ووجه ذلك أنه لما كان المعدود ضربين ، ضرباً قليلاً يسهل عده (وإحصاؤه) وكثيرة لا يسهل عده ، وكانت الأعراب يقل فيهم الحساب وقوانين الحساب ، تصوروا الكثير متعذر العد ، والقليل متيسر العد ، وقالوا:"شي معدود ومحصور أي قليل وغير معدود ، ومحصور أي كثير."
ووجه الآية أن اليهود اختلفت ، فبعض قال نعذب بعدد الأيام التي عبد أصحابنا فيها العجل ، وبعض قال: مدة الدنيا سبعة ألاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف
سنة من الدنيا يوما من الآخرة ، وبعضه قال: إنما بين طرفي جهنم أربعون سنة ، وإذا خلاً العدد انقضى الأجل ولا عذاب ، فبين الله تعالى أن زعمكم أنا نعذب أياما معدودة ولا طريق للعقل إلى معرفة ذلك ، وإنما سبيل معرفته الإخبار عنه تعالى.
جده - ، وإخباره بذلك وعد ، ووعده عهد ، وما كان به من الله - عز وجل من عهد فلا خلف فيه ، وقد تبت أنه لا عهد له بذلك ، فإذا ليس هو إلا تقولاً منكم على الله بما لا تعلمون ، فبين بلفظ الاستفهام كذبهم فيما زعموا ، وقوله:"عند الله"، أي فِي حكمه على