وأخيرًا، فإنَّه لو كان كاتب الإنجيل في العصور الوسطى لما وقع بتلك الأخطاء في الإحالة إلى أسفار التوارة، ولكان أيضًا قد اهتم بالتنديد بالأناجيل الأخرى، ولكنه لم يصنع لسبب بسيط، وهو أنَّه كتب إنجيله قبل انتشار هذه الأناجيل.
ولو كان الإنجيل منحولًا لندد مؤلفه بالتثليث وكتب في إبطاله، لكنه لم يتحدث عنه، فدلّ ذلك على أن زمن الكتابة سابق على دعوى التثليث التي ظهرت في القرن الميلادي الرابع.
وهكذا نرى أن إنجيل برنابا لا يختلف من ناحية الإسناد كثيرًا عن الأناجيل الأربعة، لكنه الإنجيل الوحيد الذي صرح فيه كاتبه باسمه وبأنه شاهد لما يكتب، وأما متنه فكان أكثر اتساقًا من جميع الأناجيل، متميزًا بترابطه وجمال أسلوبه ومعرفته الكبيرة بالعهد القديم وأسفاره، وهو ما يليق حقًّا بداعية النصرانية في الصدر الأوّل: برنابا.
وقد كانت مضامين هذا الإنجيل متفقة إلى حدّ بعيد مع ما يعهد في رسالات الله إلى أنبيائه، وحُقَّ لتولاند 1718 م في كتابه"الناصري"أن يقول عند ظهور هذا الإنجيل:"أقول على النصرانية السلام".
وكذا قوله:"إن مد النصرانية قد وقف من ذلك اليوم. . . إن المسيحية ستتلاشى"
تدريجيًا حتى تنمحي من الوجود"."
المبحث الخامس: المجامع المسيحية وأثرها على العقيدة.
تمهيد:
مقصدنا من ذكر هذا الفصل هو: أن نبين الأدوار التي مرت عليها عقيدة التثليث، فإنَّه من المقرر في تاريخ المسيحية بالبداهة أن التثليث بالشكل الذي يعتقده جماهير المسيحيين، أو الكثرة الغلبة فيهم، لم يعلن للناس دفعة واحدة، بل في أزمان مختلفة، وكان بإعلان المجامع التي كانت تعقد من الأساقفة، وفيها يقرر المجمع رأيا معينا، ولا يهمنا منها إلا ما يختص بالعقيدة.
أولًا: تعريف المجامع:
"هي هيئات شورية في المسيحية، قد رسم رسلهم نظامها في حياتهم، حيث عقدوا المجمع الأوّل في أورشليم عام 51 - 52 م، أي بعد ترك المسيح لهم باثنتين وعشرين سنة للنظر في مسألة الختان،. . .، فقد قالوا إن التلاميذ والمشايخ بهذا المجمع الذي بينه سفر الأعمال (إصحاح 15) قد سنوا للمسيحيين سنة جمع المجامع؛ لدراسة ما يتعلق بالعقيدة والشريعة." (3)
ابتداع المجامع: