إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس فِي أن قوله تعالى: {اذبحوا بَقَرَةٌ} هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت ، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا: إنه كان أمراً بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة ، وقال المانعون منه: هو وإن كان أمراً بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك ، وذلك لأن التكليف الأول كان كافياً لو أطاعوا وكان التخيير فِي جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح ، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم فِي المشاهد ، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختياراً ، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة فِي أن يأمره بالصعب فكذا ههنا.
واحتج الفريق الأول بوجوه.
الأول: قوله تعالى: {ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ} و {مَا لَوْنُهَا} وقول الله تعالى: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ ، إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض} منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت ، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة.
الثاني: أن الصفات المذكورة فِي الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال: إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولاً أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجباً عليهم قبل ذلك ، والأول هو المطلوب ، والثاني: يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخراً ، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك ، ولما أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم.
فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال: إنها كنايات عن القصة والشأن ، وهذه طريقة مشهورة عند العرب ؟ قلنا: هذا باطل لوجوه.