قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ...} الآيتين، وفي هاتين الآيتين وما يتلوهما بعد تعداد لنكث العهود، والمواثيق التي أخذت على بني إسرائيل، الذين كانوا في عهد موسى عليه السلام، وحل بهم جزاء ما عملوا، من مسخهم قردة وخنازير، فأجدر بسلائلهم - الذين كانوا في عصر التنزيل تتخلّل دورهم دور الأنصار - أن لا يجحدوا نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأن لا يصرّوا على كفرهم، وعدم التصديق بما جاء به خوفا من أن يحل بهم ما حلّ بأسلافهم، مما لا قبل لهم به من غضب الله تعالى، فمن عهودهم التي نكثوها: أنهم اعتدوا يوم السبت. ذاك أنّ موسى عليه السلام حظّر عليهم العمل في هذا اليوم، وفرض عليهم فيه طاعة ربهم، والاجتهاد في الأعمال الدينية، إحياء لسلطان الدين في نفوسهم؛ وإضعافا لشرههم في التكالب على جمع حطام الدنيا وادخاره، وأباح لهم العمل في ستة الأيام الأخرى، لكنهم عصوا أمره، وتجاوزوا حدود الدين، واعتدوا في السبت فجازاهم الله تعالى بأشد أنواع الجزاء، فخرج بهم من محيط النوع الإنساني، وأنزلهم أسفل الدركات، فجعلهم
يرتعون في مراتع البهائم، وليتهم كانوا في خيارها، بل جعلهم في أخسّ أنواعها، فهم كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، مبعدين من الفضائل الإنسانية بأنواع المنكرات جهارا عيانا بلا خجل، ولا حياء، حتى احتقرهم كرام الناس ولم يروهم أهلا لمعاشرة ولا معاملة.
أسباب النزول
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ...} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم، والعدني في مسنده من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال سلمان: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أهل دين كنت معهم؟ فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ...} الآية إلى قوله: {يَحْزَنُونَ} .
التفسير وأوجه القراءة