الله واستمسك به، كان ذلك معبرا له إلى النجاة، لا (أن يضل ضلالا بعيدا) كما يذكر البيضاوي، أو تصبح (الآفة أخفى) كما قال القشيري، مع أنوار قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَليْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (2: الأنفال) ، وقفة متجردة لما قال ما قال، ومع هذا فقد أجاد القشيري حين قارن بين من كانت المائدة سكونا لهم، وبين من بدأهم الله بالسكينة.
9 -اختلافات المفسرين حول قوله تعالى: {هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} .
كان المبادر إلى ذهن القارئ أن تكون هذه هي نقطة البدء، لكننا بدأنا بالحديث عن المائدة؛ إذ هي محور الموضوع، وعنايتنا في هذه المباحث هي بذكر التأويلات، ثم نكرُّ عليها بما يجلِّي الحقيقة.
فأما قوله تعالى: {إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} (112: المائدة) فالأقوال في معنى هذه الآية كثيرة.
فبينما نرى مفسرا كالزمخشري يرى أن هذا القول منهم دليل على أن إيمانهم كان دعوى لا حقيقة؛ وذلك إذ يقول متبعا طريقته في الفنقلة: فإن قلت: كيف قالوا {هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} بعد إيمانهم وإخلاصهم، قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: {إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ} ؛ فآذن أن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين، وقولهم: {هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم ..