والثاني: إن جوزنا ذلك لما آمنا فِي كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً، وذلك يفضي إلى الشك فِي المشاهدات.
وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سميناً بعد أن كان هزيلاً، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجوداً والباقي غير الزائل، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وذلك الأمر إما أن يكون جسماً سارياً فِي البدن أو جزءاً فِي بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجوداً مجرداً على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع فِي بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز فِي المالك الذي تكون جثته فِي غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام.
وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جداً، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال فِي العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن فِي المصير إليه محذور ألبتة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 103}