وقد أشارت الآية إلى قصة ذكرتها التوراة مجملة منتثرة وهي أنهم لما ارتحلوا من برية سينا من"حوريب"ونزلوا فِي برية"فاران"فِي آخر الشهر الثاني من السنة الثانية من الخروج سائرين إلى جهات"حبرون"فقالوا: تذكرنا السمك الذي كنا نأكله فِي مصرمجاناً (أي يصطادونه بأنفسهم) والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم وقد يبست نفوسنا فلا ترى إلا هذا المن فبكَوا فغضب الله عليهم وسأله موسى العفو فعفا عنهم وأرسل عليهم السلوى فادخروا منها طعام شهر كامل.
والتعبير بلن المفيدة لتأبيد النفي فِي اللغة العربية لأداء معنى كلامهم المحكي هنا فِي شدة الضجر وبلوغ الكراهية منهم حدها الذي لا طاقة عنده ، فإن التأبيد يفيد استغراق النفي فِي جميع أجزاء الأبد أولها وآخرها فلن فِي نفي الأفعال مثل لا التبرئة فِي نفي النكرات.
ووصفوا الطعام بواحد وإن كان هو شيئين المن والسلوى لأن المراد أنه متكرر كل يوم.
وجملة {يخرج لنا} إلى آخرها هي مضمون ما طلبوا منه أن يدعو به فهي فِي معنى مقول قول محذوف كأنه قيل قل لربك يخرج لنا ومقتضى الظاهر أن يقال أن يخرج لنا فعدل عن ذلك إلى الإتيان بفعل مجزوم فِي صورة جواب طلبهم إيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه حتى كأنَّ إخراج ما تنبت الأرض يحصل بمجرد دعاء موسى ربه ، وهذا أسلوب تكرر فِي القرآن مثل قوله: {قل لعباديَ الذين آمنوا يقيموا الصلاة} [إبراهيم: 31] .
و {قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} [الإسراء: 53] وهوكثير فهو بمنزلة شرط وجزاء كأن قيل إن تدعُ ربك بأن يخرجَ لنا يخرجْ لنا ، وهذا بتنزيل سبب السبب منزلة السبب فجزم الفعل المطلوب فِي جواب الأمر بطلبه لله للدلالة على تحقق وقوعه لثقتهم بإجابة الله تعالى دعوة موسى ، وفيه تحريض على إيجاد ما علق عليه الجواب كأنه أمر فِي مكنته فإذا لم يفعل فقد شح عليهم بما فيه نفعهم.