تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 96
والمصدر: قضاء (بالمدّ) لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه: (قَضى) بفتح الياء، فقلبت ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. ومصدره: (قضيا) فأبدلت الثانية همزة، فصار قضاء ممدودا.
وجمع القضاء أقضية كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [179] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الخفيف]
وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم ... يقض للشّمس كسفة أو أفول
وقال الشّماخ في عمر- رضي اللّه عنه- يرثيه: [الطويل]
قضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتّق
ويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا، وبمعنى العلم. تقول: قضيت بكذا، أي: أعلمتك به. وبمعنى الإتمام. قال تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ. وبمعنى الفعل، قال تعالى، حكاية عن قول السحرة لفرعون: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ.
وبمعنى الكتابة، قال تعالى: وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ.
وبمعنى الفصل، قال تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، وبمعنى الخلق، كقوله تعالى:
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ. وبمعنى بلوغ الأرب، والمراد، قال تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها وبمعنى وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمته، وأبرأها ممّا عليه من ديون. انتهى قسطلاني. شرح البخاري بتصرف. وأضيف: أنه يكون بمعنى:
أوحينا، كقوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ ... إلخ.
قال القرطبيّ- رحمه اللّه تعالى- فإذا كان القضاء بهذه المعاني؛ فلا يجوز إطلاق القول بأنّ المعاصي بقضاء اللّه تعالى؛ لأنّه إن أريد به الأمر، فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛ لأنّ اللّه لا يأمر بها، فإنه لا يأمر الفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال:
إنّه طلق امرأته ثلاثا، فقال: قد عصيت ربك، وبانت منك، فقال الرجل: قضى اللّه عليّ، فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى اللّه ذلك! أي: ما أمر به. وقرأ قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.
هذا (وَالْأَمْرُ) واحد الأمور، وليس بمصدر: أمر، يأمر. قال العلماء: والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها: الأول: الدّين، قال تعالى: حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي: دين الإسلام. الثاني: القول، ومنه قوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا يعني: قولنا. وقوله تعالى: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ يعني: قولهم. الثالث: العذاب، ومنه قوله تعالى: لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ يعني لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع: عيسى، عليه السّلام. قال تعالى في هذه الآية: إِذا قَضى أَمْرًا يعني: عيسى، وكان في علمه تعالى أن يكون من غير أب. الخامس: القتل ببدر، قال