وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة استبعاد طمع المؤمنين فِي إيمان من سبق من آبائه التشريف بسماع كلام الله ، ثم مقابلة ذلك بعظيم التحريف ، هذا على علم منهم بقبيح ما ارتكبوه.
وهؤلاء المطموع فِي إيمانهم هم أبناء أولئك المحرفين ، فهم على طريقة آبائهم فِي الكفر ، ثم قد انطووا من حيث السريرة على مداجاة المؤمنين ، بحيث إذا لقوهم أفهموهم أنهم مؤمنون ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض ، أنكروا عليهم ما يتكلمون به مع المؤمنين من إخبار بشيء مما فِي كتبهم ، وذلك مخافة أن يحتج المؤمنون عليهم بما فِي كتابهم ، ثم أنكر تعالى عليهم ذلك بأنهم قد علموا أن الله يعلم سرّهم ونجواهم ، فلا يناسب ذلك إلا الانقياد إلى كتاب الله ، والإخبار بما فيه ، واتباع ما تضمنه من الأمر ، باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بما يجدونه مكتوباً عندهم فِي التوراة والإنجيل ، ولكنهم كفروا عناداً وجحدوا بها ، واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً.
ثم لما ذكر حال هؤلاء الذين هم من أهل العلم ، ولم ينتفعوا بعلمهم ، ذكر أيضاً مقلدتهم وعوامّهم ، وأنهم لا يعلمون من الكتاب إلا ألفاظاً مسموعة ، وأن طريقهم فِي أصول دياناتهم إنما هو حسن ظنهم بعلمائهم المحرّفين المبدّلين.
ثم توعد الله تعالى بالهلاك والحسرة ، من حرّف كلام الله وادّعى أنه من عند الله ، لتحصيل غرض من الدنيا تافه نزر لا يبقي ، فباع باقياً بفان.