واعلم أن نفي وصفين بحرف (لا) قد يستعمل فِي إفادة إثبات وصف ثالث هو وسط بين حالي ذينك الوصفين مثل ما فِي هذه الآية بدليل قوله: {عوان بين ذلك} ومثل قوله تعالى: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143] وقد يستعمل فِي إرادة مجرد نفي ذينك الوصفين لأنهما مما يطلب فِي الغرض الواردين فيه ولا يقصد إثبات وصف آخر وسط بينهما وهو الغالب كقوله تعالى: {في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم} [الواقعة: 42 44] .
والفارض المسنة لأنها فرضت سنها أي قطعتها ، والفرض القطع ويقال للقديم فارض.
والبكر الفتية مشتقة من البكرة بالضم وهي أول النهار لأن البكر فِي أول السنوات عمرها والعوان هي المتوسطة السن.
وإنما اختيرت لهم العوان لأنها أنفس وأقوى ولذلك جعلت العوان مثلاً للشدة فِي قول النابغة:
ومن يتَربّص الحَدَثَانَ تنزل...
بمَولاه عوان غيرُ بِكر
أي مصيبة عوان أي عظيمة.
ووصفوا الحرب الشديدة فقالوا: حرب عوان.
وقوله: {بين ذلك} أي بين هذين السنين ، فالإشارة للمذكور المتعدد.
ولهذا صحت إضافة بين لاسم الإشارة كما تضاف للضمير الدال على متعدد وإن كان كلمة واحدة فِي نحو بينها.
وإفراد اسم الإشارة على التأويل بالمذكور كما تقدم قريباً عند قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} [البقرة: 61] .
وجاء فِي جوابهم بهذا الإطناب دون أن يقول من أول الجواب إنها عوان تعريضاً بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف حتى لا يترك لهم مجالاً لإعادة السؤال.
فإن قلت: هم سألوا عن صفة غيرمعينة فمن أين علم موسى أنهم سألوا عن السن ؟ ومن أين علم من سؤالهم الآتي بـ {ما هي} أيضاً أنهم سألوا عن تدربها على الخدمة ؟