اعْتَدَوْا تجاوزوا الحد السَّبْتِ اليوم المعروف، وقد نهاهم الله عن صيد السمك فيه، وهم أهل أيلة وهي القرية التي كانت حاضرة البحر. خاسِئِينَ بعيدين عن رحمة الله، وقد هلكوا بعد ثلاثة أيام.
فجعلناها نَكالًا أي تلك العقوبة عبرة تنكل من اعتبر بها، أي تمنعه من ارتكاب مثل ما عملوا. لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي الأمم التي في زمانها أو بعدها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خص المتقون بالذكر، لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. والمتقون: الذين اتقوا بأداء فرائض الله واجتناب معاصيه.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة تذكيرا لبني إسرائيل بالنعم الجليلة، وأما هذه الآيات فهي تنديد بالمخالفات والمعاصي التي ارتكبوها، فإنهم نقضوا الميثاق أو العهد مع الله، وتجاوزوا النهي الإلهي في السبت، فأصبحوا كالقردة مبعدين عن رحمة الله والناس. وإذا كان هذا في بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى عليه السّلام،
فأجدر بسلائلهم الذين كانوا في عصر تنزيل القرآن ألا يجحدوا نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، خوفا من أن يحل بهم ما حل بأسلافهم.
التفسير والبيان:
واذكروا يا بني إسرائيل وقت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة، فرفضوا حتى رفع الله فوقهم الطور تخويفا وإرهابا، وأمرهم أن يأخذوا بما فيها بجد ونشاط ومواظبة على العمل، واذكروا ما في التوراة واعملوا بما فيها من الأحكام، وتدبروا معانيها حتى تكونوا من المتقين، لأن العلم يرشد إلى العمل، والعمل يرسخ العلم في النفس، ويطبع فيها سجية المراقبة لله، وبها تصير تقية تتقي المعاصي، نقية من الرذائل، مرضية عند ربها، كما قال تعالى:
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [طه 20/ 132] .
فقبلتم إلى حين، ثم أعرضتم بعد ذلك عن الطاعة، فلولا رحمة الله ولطفه بكم وإمهاله إياكم، إذ لم يعجل عقوبتكم بما تستحقون، لكنتم من الهالكين الخاسرين سعادتي الدنيا والآخرة.
ولقد علمتم شأن آبائكم الذين تجاوزوا الحد بصيد السمك يوم السبت، وكان محرما فيه لقصره على العبادة، فإن موسى عليه السّلام حظر عليهم العمل في هذا اليوم، وفرض عليهم فيه طاعة ربهم، وأباح لهم العمل في بقية أيام الأسبوع.