(قال) يعني موسى عليه السلام لهم وقيل القائل هو الله والأول أولى (أتستبدلون الذي هو أدنى) أي أخس وأردأ، وهو الذي طلبوه والاستبدال وضع الشيء موضع الآخر، قال الزجاج أدق مأخوذ من الدنو أي القرب وقيل من الدناءة وقيل أصله أدون من الدون أي الرديء، والهمزة للإنكار مع التوبيخ، والمراد أتضعون هذه الأشياء التي هي دون موضع المن والسلوى اللذين هما خير منها من جهة الاستلذاذ والوصول من عند الله بغير واسطة أحد من خلقه، والحل الذي لا تطرقه الشبهة وعدم الكلفة بالسعي له والتعب في تحصيله (بالذي هو خير) أي أشرف وأفضل وهو ما هم فيه.
(اهبطوا مصراً) أي انزلوا مصراً وانتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر، فالهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل بل قد يستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مطلقاً قاله الشهاب، وظاهر هذا أن الله أذن لهم بدخول مصر، وقيل أن الأمر للتعجيز والإهانة لأنهم كانوا في التيه لا يمكنهم هبوط مصر لانسداد الطرق عليهم إذ لو عرفوا طريق مصر لما أقاموا أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى طريق من الطرق، فهو مثل قوله تعالى(كونوا
حجارة أو حديداً)قال الخليل وسيبويه أراد مصراً من الأمصار ولم يرد المدينة المعروفة وهو خلاف الظاهر، بل يجوز صرفه مع حصول العلمية والتأنيث لأنه ثلاثي ساكن الأوسط وبه قال الأخفش والكسائي، والمصر في الأصل الحد الفاصل بين الشيئين وقيل المصر البلدة العظيمة.
(فإن لكم ما سألتم) يعني من نبات الأرض (وضربت عليهم) أي على فروعهم وأخلافهم (الذلة) أي الهوان وقيل الجزية وزي اليهودية وفيه بعد والأول أولى والمعنى جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل والهوان بسبب قتلهم عيسى في زعمهم، والذلة بالكسر الصغار والحقارة والذلة بالضم ضد العجز.