تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 245
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي: إذا ثار بهم الغيظ؛ كظموه، بمعنى: كتموه، فلم يعملوه، وعفوا عمّن أساء إليهم، وقد ورد في بعض الآثار: يقول اللّه عز وجل: «يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أهلك فيما أهلك» . رواه ابن أبي حاتم. والغيظ: شدّة الغضب، ومنه رجل كظيم، ومكظوم: إذا كان ممتلئا غمّا، وحزنا. قال تعالى في حقّ «يعقوب» على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. وقال تعالى في من يسوءه ولادة الأنثى: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ.* وقال تعالى في حقّ «ذي النّون» على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ. والغيظ: أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان، لكن فرقان ما بينهما: أنّ الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب، فإنّه يظهر على الجوارح مع فعل ما، ولا بدّ، ولهذا جاء إسناد الغضب إلى اللّه تعالى: أنّه هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، وخذ ما يلي:
فعن معاذ بن أنس- رضي اللّه عنه-: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفّذه؛ دعاه اللّه سبحانه على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره من الحور العين ما شاء» . رواه أبو داود، والترمذيّ.
وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب» . رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما. وانظر الترغيب، والترهيب للحافظ المنذري؛ إن أردت الزيادة.
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ: يعفون عمّن أساء إليهم، أو ظلمهم، والعفو عن الناس أجلّ ضروب فعل الخير، والإحسان، والأحاديث المرغّبة في ذلك كثيرة، أكتفي منها هنا بما يلي:
عن أبي كبشة الأنماريّ- رضي اللّه عنه-: أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «ثلاث أقسم عليهنّ، وأحدّثكم حديثا، فاحفظوه. قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلّا زاده اللّه عزّا، فاعفوا؛ يعزّكم اللّه، ولا فتح عبد باب مسألة إلّا فتح اللّه عليه باب فقر» . رواه أحمد، والترمذي. وعن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلّا عزّا، وما تواضع أحد للّه؛ إلّا رفعه اللّه عزّ وجلّ» . رواه مسلم، والترمذيّ. وروى أنس: أنّ رجلا قال: يا رسول اللّه! ما أشدّ من كلّ شيء؟ قال: «غضب اللّه» قال: فما ينجي من غضب اللّه؟ قال: «لا تغضب» . قال العرجي: [الكامل]
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما ... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع
فكفى به شرفا تصبّر ساعة ... يرضى بها عنك الإله وترفع
وقال عروة بن الزّبير- رضي اللّه عنهما- في العفو: [البسيط]
لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ... حتّى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام