فهرس الكتاب

الصفحة 912 من 4400

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 207

وقال الفرزدق في هجاء جرير، ووعيده، وتهديده له: [الكامل]

ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وَقضى عليك به الكتاب المنزل

أَيْنَ ما ثُقِفُوا: أينما وجدوا. قال تعالى في سورة (البقرة) : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ. هذا؛ والثّقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء علما كان، أو عملا، فهو يتضمّن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف ثقفا، ويقال: رجل ثقف لقف، أي: خفيف حاذق: إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور. قال الشاعر: [الوافر]

فإمّا تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود

إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي: إلا بعهد من اللّه، وهو أن يسلموا، فتزول عنهم الذلّة. وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ بعهد من الناس أي: المؤمنين ببذل الجزيرة، والمعنى: ضربت عليهم الذلّة في عامّة الأحوال، إلا في حال اعتصامهم بحبل اللّه، وحبل من النّاس، وهو ذمّة اللّه، وعهده، وذمّة المسلمين، وعهدهم، لا عزّ لهم إلا بهذه الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوه من بذل الجزية، ولذا قدّر القرطبي: إلا أن يعتصموا بحبل، وإنّما سمي العهد حبلا؛ لأنه يوصل إلى الأمن، وزوال الخوف. وانظر الاستعارة في الآية رقم [103] .

وَباؤُ بِغَضَبٍ أي: انقلبوا، ورجعوا بغضب من اللّه؛ أي: لزمهم ذلك. وصاروا أحقاء به، ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي» أي: أعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك؛ لتغفره لي. وقال تعالى في سورة (المائدة) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ وأصله في اللغة: الرجوع، ومثله: آب بتقديم الهمزة على الباء، قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته رقم [77] [الوافر]

فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا ... وَأبنا بالملوك مصفّدينا

أي: رجعوا، ورجعنا. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ هذا؛ والذلّة: الذلّ والصّغار، والمسكنة:

الفقر، فلا يوجد يهوديّ، وإن كان غنيّا خاليا من زيّ الفقر، وخضوعه، ومهانته، ولقد أذلّهم اللّه كلّ حياتهم، وفي جميع عصورهم، ف (بختنصر) المجوسي أذلّهم، وامتهنهم، كما رأيت في أوّل سورة الإسراء، ثمّ النصارى ساموهم سوء العذاب، ولمّا جاء الإسلام؛ طردهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة المنوّرة، ثمّ طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم، ثمّ لما فتح بيت المقدس في عهده ضرب عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة، ودولة بسبب تفرّق المسلمين، وإهمالهم لتعاليم دينهم، وتركهم لسنّة نبيّهم، وتركهم الجهاد في سبيل اللّه، وإقبالهم على الدّنيا، وكأنّ اللّه نزع الذلّة، والمسكنة من رقاب اليهود، وألبسهما أعناق المسلمين بسبب ذلك. وخذ ما يلي:

عن ثوبان- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: من قلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثيرون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت