تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 198
والقول الثاني: أنّ بياض الوجوه، وسوادها حقيقة فيهما، والحكمة في بياض الوجوه وسوادها: أن أهل الموقف إذا رأوا بياض وجه المؤمن؛ عرفوا أنه من أهل السّعادة، وإذا رأوا سواد وجه الكافر، والمنافق؛ عرفوا: أنه من أهل الشقاوة، وبين كلمتي، تَبْيَضُّ، وَ (تَسْوَدُّ) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ... إلخ. اختلف العلماء في هؤلاء، فروي عن أبيّ بن كعب- رضي اللّه عنه-: أنه قال: أراد به الإيمان يوم أخذ الميثاق حين قال لهم في عالم الذّرّ:
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فآمن الجميع في ذلك الحين، فكلّ من كفر بعد بلوغه؛ فقد كفر بعد الإيمان. وقال الحسن البصري- رحمه اللّه تعالى-: هم المنافقون، وذلك أنهم تكلّموا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروه بقلوبهم، وقال عكرمة- رحمه اللّه تعالى-: هم أهل الكتاب، وذلك: أنهم آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مبعثه، فلمّا بعث؛ أنكروه، وكفروا به. وقيل: هم الذين ارتدّوا بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل: هم الخوارج، والملل، والنحل الّتي شذّت، وزيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، فيكون في الكلام إخبار بما سيقع بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم. وخذ ما يلي:
فعن ابن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت إليهم لأنالهم؛ اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ! أصحابي! فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» . متّفق عليه. وعن زيد بن وهب- رضي اللّه عنه-:
أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ كرم اللّه وجهه لمّا سار إلى الخوارج، فقال عليّ- رضي اللّه عنه-: أيها الناس! إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «يخرج قوم من أمّتي، يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن، وهم يحسبون: أنّه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة» . متفق عليه، ويزاد في رواية أخرى: «فأينما لقيتموهم، فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند اللّه يوم القيامة» . والأحاديث في ذلك كثيرة.
فَذُوقُوا الْعَذابَ ... إلخ: هذا الأمر للإهانة؛ أي: يقال لهم: ذوقوا جزاء كفركم. هذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس، فذقه. وانظر فلانا؛ فذق ما عنده. قال الشمّاخ يصف قوسا: [الطويل]
فذاق فأعطته من اللّين جانبا ... كفى ولها أن يفرق السّهم حاجز
وقد يعبّر بالذّوق عمّا يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعونا لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها ... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم