تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 88
مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ: الميثاق: العهد المؤكد باليمين، والجمع: مواثيق على الأصل؛ لأنّ أصل ميثاق: موثاق، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ومثله: ميزان، وميعاد، ونحوهما.
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الإيمان بالرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وصلة الأرحام، وموالاة المؤمنين، وعدم التفرقة بين الرسل، والكتب في التصديق، فهي عامة في كل ما أمر اللّه تعالى به أن يوصل، والرحم جزء من هذا. وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر، والمعاصي، والظّلم، وإثارة الفتن، والتعويق عن الإيمان، والصدّ عن سبيل اللّه بالتّرغيب أحيانا، وبالتّرهيب أحيانا أخرى.
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ حيث استبدلوا المعصية بالطاعة، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب.
هذا وقال القرطبي- رحمه اللّه تعالى-: في هذه الآية دليل على أنّ الوفاء بالعهد، والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذمّ اللّه تعالى من نقض عهده، وقد قال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ [الإسراء: 34] . انتهى.
هذا وقيل في تفسير الخازن: إنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران؟! وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما منكم من أحد إلّا له منزلان:
منزل في الجنّة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله» فذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون) ، الآية رقم [10] : أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة في سورة (الرّعد) رقم [25] .
الإعراب: الَّذِينَ: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من الْفاسِقِينَ أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: أذم، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي بعده.
يَنْقُضُونَ: فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. عَهْدَ: مفعول به، وهو مضاف واللَّهِ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: عهدهم اللّه، أي معاهدتهم اللّه. مِنْ بَعْدِ: متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: مِنْ زائدة. وليس بشيء. بَعْدِ مضاف ومِيثاقِهِ: مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله على اعتباره عائدا على «العهد» وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره عائدا على اللَّهِ، وجملة: يَنْقُضُونَ ... إلخ: صلة الموصول لا محل لها. وَيَقْطَعُونَ: الواو: حرف عطف. (يَقْطَعُونَ) : فعل مضارع مرفوع وفاعل. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: صلته.
أَنْ: حرف ناصب. يُوصَلَ: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب أَنْ ونائب الفاعل يعود إلى الموصول، وهو العائد: وأَنْ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بدل من