تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 10
أيّام يدعونني الشّيطان من غزل ... وَهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل: من: شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه: فهو غير مصروف.
وشطن من باب قعد. وشاط من باب ضرب. هذا واشتاط الرّجل: إذا احتدّ غضبا، واشتاط:
إذا هلك. قال الأعشى في معلقته رقم [68] : [البسيط]
قد نخضب العير في مكنون فائله ... وَقد يشيط على أرماحنا البطل
ويقوّي الاعتبار الأول، ويضعف الثاني: أن سيبويه حكى: أن العرب تقول: تشيطن فلان:
إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن أنه تفيعل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا: تشيّط.
(الرجيم) : فعيل بمعنى مفعول؛ أي أنّه مرجوم باللعن والطّرد عن الخير، وعن رحمة اللّه تعالى، وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل. أي: يرجم غيره بالإغواء، والوسوسة. وأصل الرجم:
الرّمي بالحجارة، والرّجم: القتل، واللعن، والطرد، والشّتم. وقد قيل: هذا كله في قوله تعالى حكاية عن قول قوم نوح له: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ رقم [116] من سورة (الشعراء) وأيضا قوله تعالى حكاية عن قول قوم شعيب له: وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ رقم [91] من سورة (هود) ، وقول أبي إبراهيم له: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ رقم [46] من سورة (مريم) ، والرجم: القول بالظنّ، كما في قوله تعالى: خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ رقم [22] من سورة (الكهف) قال زهير بن أبي سلمى في معلّقته رقم [30] : [الطويل]
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو ... وَما هو عنها بالحديث المرجّم
بعد هذا لا يخفى عليك المعنى لهذه الجملة، وقد يعبر عن الجملة بكاملها بكلمة:
(الاستعاذة) على طريقة النّحت، والنّحت في الكلام: تركيب كلمة من كلمتين، فأكثر، نحو:
البسملة، والحوقلة من: (لا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظيم) والاسترجاع من: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ والفذلكة من: (فذلك كذا، وكذا) وهلمّ جرّا، وخذ قول الشاعر عبد يغوث بن الحارث بن وقاص الحارثي شاعر جاهلي، وهو الشاهد رقم [503] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل]
وتضحك منّي شيخة عبشميّة ... كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا
حيث نحت (عبشمية) من عبد شمس، وتفصيل ذلك تجده في الشاهد رقم [305] من كتابنا المذكور، وهو لسويد بن أبي كاهل اليشكري: [الطويل]
هم صلبوا العبديّ في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
قال الخازن رحمه اللّه تعالى: ومن لطائف الاستعاذة: أن قوله: (أعوذ باللّه ... ) إلخ إقرار من العبد بالعجز، والضعف، واعتراف من العبد بقدرة اللّه عزّ وجلّ، وأنّه الغنيّ القادر على دفع