تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 2، ص: 15
آدَمَ ... إلخ رقم [59] . وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي: تحريفه على ما يريدون، ويشتهون. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أي: لا يعلم تفسير المتشابه، ومعناه الحقيقي إلا اللّه وحده. وقيل: يجوز أن يكون للقرآن تأويل، استأثر اللّه بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، كالحروف المقطّعة ...
إلخ. انظره فيما سبق.
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي: الثابتون في العلم. وهم الذين أتقنوا علمهم؛ بحيث لا يدخل في علمهم شكّ، والرّسوخ: الثبوت في الشّيء، وكلّ ثابت راسخ، وأصله في الأجرام: أن يرسخ الجبل، والشّجر في الأرض. قال الشاعر: [الطويل]
لقد رسخت في الصّدر منّي مودّة ... لليلى أبت آياتها أن تغيّرا
هذا؛ وقال ابن أبي حاتم بسنده: حدّثنا عبيد اللّه بن يزيد- وكان قد أدرك أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أنسا، وأمامة، وأبا الدرداء رضي اللّه عنهم-: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الرّاسخين في العلم، فقال: «من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عفّ بطنه، وفرجه، فذلك من الرّاسخين في العلم» . وقال ابن المنذر في تفسيره عن نافع بن يزيد: الرّاسخون في العلم:
المتواضعون للّه، المتذلّلون له في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحتقرون من دونهم. هذا؛ وفي قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ استعارة، والمراد بها: المتمكنون في العلم تشبيها برسوخ الشيء الثقيل في الأرض الخوّارة، وهذا أبلغ من قوله: والثابتون في العلم. هذا؛ والراسخ في العلم من وجد من العلم في علمه أربعة أشياء: التّقوى فيما بينه وبين اللّه تعالى، والتواضع فيما بينه وبين النّاس، والزّهد فيما بينه وبين الدّنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النّفس.
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: سمّاهم راسخين في العلم بقولهم:
آمَنَّا بِهِ فرسوخهم في العلم هو الإيمان به، وقال عمر بن عبد العزيز- رضي اللّه عنه-: في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا يعني: المحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، وما علمنا به، وما لم نعلم، ونحن معتقدون في المتشابه بالإيمان به، ونكل معرفته إلى اللّه تعالى، وفي المحكم يجب علينا الإيمان به، والعمل بمقتضاه. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: انظر الآية رقم [269] من سورة (البقرة) .
تنبيه: فإن قيل: القرآن نزل لإرشاد العباد، فهلا كان كلّه محكما؟! والجواب: أنّه نزل بألفاظ العرب، وعلى أسلوبهم، وكلامّهم على ضربين: الموجز الذي لا يخفى على سامع. هذا هو الضّرب الأول، والثاني: المجاز، والكنايات، والإرشادات، والتلويحات. وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل اللّه القرآن على الضّربين. ليتحقّق عجزهم، فكأنه قال: عارضوه بأيّ الضّربين شئتم. ولو نزل كلّه محكما؛ لقالوا: هلّا نزل بالضّرب المستحسن عندنا.