تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 702
بهم، وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصّحابة في قوله تعالى:
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ أي: هو وإن حاسب، وسأل؛ لكن لا يعذب إلا بما يملك الشّخص دفعه، فأمّا ما لا يملك دفعه من وسوسة النّفس، وحديثها؛ فهذا لا يكلّف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السّيئة من الإيمان.
عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: جاء ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فسألوه، فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلّم به، قال: «وقد وجدتموه؟!» قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان» أخرجه مسلم، وسئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوسوسة، قال: «تلك صريح الإيمان» أخرجه مسلم أيضا.
هذا وذكرت الجملة: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها في سورة (الأنعام) رقم [152] بعد نهي، وأمرين، وذكرت في سورة (الأعراف) رقم [41] بعد ذكر الإيمان، والعمل الصالح؛ ليبين اللّه:
أن المطلوب من التكاليف والأعمال الصالحة ما سهل فعله، وما فيه عسر، ومشقّة فلسنا مكلّفين بفعله، وغير مؤاخذين بتركه، والوسع: الطاقة، والقدرة.
لَها ما كَسَبَتْ: الضمير يعود إلى النفس. ولَها ما كَسَبَتْ من الخير وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ أي: من الشر، أي: لا ينتفع بطاعتها أحد غيرها، ولا يتضرّر بمعاصيها غيرها، وتخصيص الكسب بالخير، والاكتساب بالشّرّ؛ لأن الاكتساب فيه اعتمال، والشر تشتهيه النفس، وتنجذب إليه، فكانت أجدّ في تحصيله، بخلاف الخير. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبيّ- رحمه اللّه تعالى-: وجاءت العبارة في الحسنات ب لَها من حيث هي بما يفرح المرء بكسبه، ويسرّ بها، فتضاف إلى ملكه، وجاءت السّيئات ب (عَلَيْها) من حيث هي أثقال، وأوزار، ومتحمّلات صعبة، وهذا كما تقول: لي مال، وعليّ دين، وكرّر فعل الكسب، فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام، كما قال تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا قال ابن عطيّة- رحمه اللّه تعالى-:
ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي ما تكتسب دون تكلّف بها؛ إذ كاسبها على جادة أمر اللّه تعالى، ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يتكلّف في أمرها خرق حجاب نهي اللّه تعالى، ويتخطّاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى، وفي الجملتين ما يسمّى بالطباق المعنوي، وهو من المحسّنات البديعيّة.
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي: لا تؤاخذنا؛ إن حصل منا تفريط، أو تقصير بحقّك بسبب نسيان، أو خطأ، لا عن عمد، كما آخذت غيرنا، وقد تكرّم اللّه على هذه الأمة؛ حيث رفع عنها ذلك؛ فعن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجه، وابن حبان، وعن أمّ الدرداء- رضي اللّه عنها- عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ اللّه تجاوز لأمّتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنّسيان،