تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 698
السّرائر، وتخرج الضمائر، وأن كتّابي لم يكتبوا إلّا ما ظهر من أعمالكم، وأنا المطّلع على ما لم يطّلعوا، ولم يخبروه، ولم يكتبوه، فأنا أخبركم به، وأحاسبكم عليه، فأغفر لمن أشاء، وأعذّب من أشاء، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين». وهذا أصحّ ما في الباب. انتهى قرطبي.
وروى ابن جرير عن مجاهد، والضحاك: أنه قال: هي محكمة، لم تنسخ، واختار ابن جرير ذلك، واحتجّ على أنّه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنّه تعالى قد يحاسب، ويغفر، وقد يحاسب، ويعاقب بالحديث الذي رواه قتادة عن صفوان بن محرز- رضي اللّه عنه-، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد اللّه بن عمر- رضي اللّه عنهما-، وهو يطوف؛ إذ عرض له رجل، فقال: يا بن عمر! ما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في النّجوى؟ قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «يدنو المؤمن من ربّه عزّ وجلّ حتّى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه، فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربّ أعرف- مرّتين- حتّى إذا بلغ به ما شاء اللّه أن يبلغ. قال: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وإنّي أغفرها لك اليوم» قال: فيعطى صحيفة حسناته، أو كتابه بيمينه، وأمّا الكفار، والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ رواه مسلم رحمه اللّه تعالى. هذا؛ وبين تُبْدُوا وتُخْفُوهُ وبين (يغفر) وَ (يُعَذِّبُ) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.
الإعراب: لِلَّهِ: متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. فِي السَّماواتِ: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي وجد، أو سيوجد. وَما فِي الْأَرْضِ: معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتقديره. وَإِنْ: الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف.
(إن) : حرف شرط جازم. تُبْدُوا: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون نيابة عن السّكون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. فِي أَنْفُسِكُمْ: متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في أنفسكم، والكاف في محل جر بالإضافة. أَوْ: حرف عطف. تُخْفُوهُ: فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله ... إلخ، والهاء مفعول به.
يُحاسِبْكُمْ: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والكاف مفعول به. بِهِ: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. اللَّهُ: فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية.
فَيَغْفِرُ: يقرأ هذا الفعل بالجزم، والنّصب، والرفع، فالجزم بالعطف على جواب الشرط، والنصب على إضمار «أن» بعد الفاء على اعتبارها للسّببية، وعليه، فتؤوّل «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من الفاعل السّابق، والرفع على الاستئناف؛