تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 667
أشد الحرص، ويلحق به اللباس، والكسوة، والادّخار، والإنفاق على العيال، وجميع منافعه.
والرّبا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشّيء يربو: إذا زاد، وكثر، ونما، قال تعالى في سورة (الحجّ) رقم [5] : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ. وفي الشرع: مقابلة عوض بآخر مجهول التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد، أو مع تأخير في العوضين، أو أحدهما، وهو حرام قطعا بجميع أنواعه.
لا يَقُومُونَ: يعني من قبورهم يوم القيامة، إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أي:
يصرعه، وأصل الخبط: الضرب، والوطء على غير هدى، واستواء، يقال: ناقة خبوط، التي تضرب الأرض بقوائمها، وتطأ الناس بأخفافها، ومنه قولهم: يخبط خبط عشواء؛ للرّجل الذي يتصرّف في الأمور على غير اهتداء، وتمييز وتدبّر، قال زهير في معلّقته: [الطويل]
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته، ومن تخطئ يعمّر، فيهرم
مِنَ الْمَسِّ: من الجنون، يقال: مسّ الرّجل، فهو ممسوس: إذا كان به جنون، قال القرطبيّ- رحمه اللّه تعالى-: في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصّرع من جهة الجنّ، وزعم: أنّه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مسّ.
وقد روى النّسائيّ عن أبي اليسر- رضي اللّه عنه- قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو، فيقول:
«اللّهمّ إنّي أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا!» وعن أنس- رضي اللّه عنه- عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أنّه كان يقول: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الجنون، والجذام، والبرص، وسيّئ الأسقام، والمسّ، والجنون!» رواه أبو داود.
وروي في حديث الإسراء: «فانطلق بي جبريل، فمررت برجال كثير، كلّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، منضّدين على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيّا، فيقبلون مثل الإبل المهيومة، فيتخبّطون الحجارة، والشّجر، لا يسمعون، ولا يعقلون، فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون؛ قاموا، فتميل بهم بطونهم، فيصرعون، ثم يقوم أحدهم، فيميل به بطنه، فيصرع، فلا يستطيعون، براحا؛ حتى يغشاهم آل فرعون، فيطؤونهم مقبلين، ومدبرين، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدّنيا والآخرة، وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقم السّاعة أبدا، فإنّ اللّه تعالى يقول: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الرّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» . أخرجه البغويّ بسند الثعلبي عن أبي سعيد الخدري- رضي اللّه عنه-.
(ذلك) أي: العذاب الذي نزل بهم بسبب قولهم في الدّنيا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي:
بالحلّ، والإباحة، وذلك: أنّ أهل الجاهلية، كان أحدهم إذا حل أجل دينه على غريمه يطالبه