تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 665
هذا وفي الآية إشارة إلى أنّ صدقة السرّ أفضل من صدقة العلانية؛ لأنّه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار، وقدّم السرّ على العلانية، انظر ما ذكرته في الآية رقم [271] .
والجملة في الآية الكريمة مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات؛ حتّى إنّ النفقة على الأهل تدخل في ذلك، فعن سعد بن أبي وقاص- رضي اللّه عنه-:
أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال له: «وإنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلّا أجرت عليها حتّى ما تجعل في في امرأتك» رواه البخاريّ، ومسلم. وعن ابن مسعود- رضي اللّه عنه-، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: «إذا أنفق الرّجل على أهله نفقة، وهو يحتسبها؛ كانت له صدقة» ، رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ. هذا؛ وبين الليل والنّهار، وبين السرّ والعلانية طباق لفظيّ، وهو من المحسّنات البديعية.
هذا؛ وَ (ينفقون) ماضيه: نفق، قال الزمخشري رحمه اللّه تعالى: إنّ كلّ ما فاؤه نون وعينه فاء، يدلّ على معنى الخروج والذّهاب، مثل: نفق، ونفخ، ونفذ، ونفش ... إلخ.
هذا، والمال قال فيه ابن الأثير: المال في الأصل: ما يملك من الذّهب، والفضة، ثم أطلق على كلّ ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أنّ المال يؤنث، وأنشد لحسّان- رضي اللّه عنه-: [البسيط]
المال تزري بأقوام ذوي حسب ... وَقد تسوّد غير السّيّد المال
وعن الفضل الضّبيّ: المال عند العرب الصّامت، والناطق، فالصّامت: الذهب، والفضة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة فإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو النّاطق، وإذا قلت عن حضريّ: كثر ماله؛ فهو الصامت. هذا؛ والنّشب يطلق على المال الثابت، كالضياع، والدور، وقد قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي- رضي اللّه عنه- في ذلك: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
هذا، وَ (الليل) فهو واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على: ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، وشبه، ومشابه، وحاجة، وحوائج، وذكر، ومذاكر، وكأنّ: ليلى في القياس جمع ليلاة، وقد استعملوا ذلك في الشّعر، وأنشد ابن الأعرابي، وهو الشاهد رقم [66] من كتاب: «فتح القريب المجيب» : [الرجز]
يا ويحه من جمل ما أشقاه ... في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه
واللّيل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: هو من غروب الشمس إلى طلوعها، والنّهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع