فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 4400

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 658

النّسائيّ. هذا، والمعتمد: أنّ هذه الصّدقة التي أبيح إعطاؤها لغير المسلمين، إنّما هي صدقة التطوّع، وأما المفروضة؛ فلا يجزئ دفعها لكافر، لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم» . وقال الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ- رضي اللّه عنه-: «خذ الصّدقة من أغنيائهم، وردّها على فقرائهم» .

هذا وقال ابن العربي: فأمّا المسلم العاصي؛ فلا خلاف: أنّ صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصّلاة، والصّيام، فلا تدفع إليه الصّدقة؛ حتّى يتوب، وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها؛ لدخولهم في اسم المسلمين.

وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ أي: الأجر، والثواب لكم، فلا تمنّوا على أحد، ولا تنفقوا الخبيث من أموالكم، فهو مثل قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ* وعن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول اللّه! ما منّا أحد إلّا ماله أحبّ إليه! قال: «فإنّ ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر» . أخرجه البخاريّ.

هذا وقد حكي: أنّ بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف، ثمّ يحلف: أنّه ما فعل مع أحد خيرا، فقيل له في ذلك، فيقول: إنّما فعلت مع نفسي، ويتلو: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ. وخذ قوله تعالى في آخر سورة (المزمّل) : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا.

هذا؛ والمراد ب: خَيْرٍ في هذه الآية في الموضعين: المال، قال تعالى في سورة العاديات: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، ويكون الخير بمعنى: الطّعام، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى- على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام- في سورة (القصص) رقم [24] :

رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، ويكون بمعنى القوّة، كما في قوله تعالى في سورة (الدخان) رقم [37] : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ويكون بمعنى العبادة والطاعة، كما في قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [73] : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ويكون بمعنى الوحي، كما في قوله تعالى في الآية رقم [105] من هذه السّورة: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ. وأخيرا: يكون بمعنى المطر، قال الشّاعر- وهو الشّاهد رقم [202] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» : [البسيط]

سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت ... لهم فلا زال عنها الخير مجدودا

وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ: طلب مرضاته تعالى، ورضوانه، قال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه اللّه؛ فلا عليك ما كان عمله، والمعنى: أنّ المتصدق إذا تصدّق ابتغاء وجه اللّه؛ فقد وقع أجره على اللّه، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: ألبرّ أو فاجر، أو مستحقّ، أو غيره؟ وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية، والحديث المخرّج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت