تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 655
هذا واتّفق العلماء على أنّ كتمان صدقة التطوع أفضل، وإخفاؤها خير من إظهارها؛ لأنّ ذلك أبعد من الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، وفي صدقة السرّ أيضا فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ، وهي: أنّه إذا أعطي في السر؛ زال عنه الذل والانكسار، وإذا أعطي في العلانية يحصل له الذلّ والانكسار، ويدلّ على أن صدقة السرّ أفضل ما روي عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «سبعة يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: إمام عادل، وشابّ نشأ في طاعة اللّه تعالى، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في اللّه تعالى، اجتمعا على ذلك، وتفرّقا عليه، ورجل ذكر اللّه خاليا، ففاضت عيناه من خشية اللّه، ورجل دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: إنّي أخاف اللّه، ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» . أخرجاه في الصّحيحين، وفي الحديث أيضا: «صدقة السّرّ تطفئ غضب الربّ عزّ وجلّ» .
وأما الزّكاة الواجبة فالجهر بها أفضل من الإسرار لأمرين: أولهما: ليقتدى بفاعلها، وثانيهما: لئلا يتّهم بمنعها، ولا سيما إن كان ظاهر الغنى.
وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ: يمحو، ويزيل، أو يعفو، ويصفح، وأصل التكفير في اللغة: التغطية، والسّتر، ويقرأ الفعل بالياء والنون، وبالرّفع وبالجزم عطفا على جملة جواب الشرط، والسيئات: هي المعاصي، والمخالفات التي يفعلها العبد، ومفردها: سيئة. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يعني: لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والخبير من أسماء اللّه الحسنى، وهو العالم بكنه الشيء وحقيقته من غير شك، والخبير في صفة المخلوقين إنّما يستعمل في نوع من العلم، وهو الّذي يوصل إليه بالاجتهاد، والفكر، واللّه تعالى منزّه عن ذلك كلّه.
هذا؛ وَ «نعم» فعل ماض لإنشاء المدح، وَ «بئس» فعل ماض لإنشاء الذم، قال في المختار:
نعم: منقول من: نعم فلان- بفتح النون وكسر العين-: إذا أصاب النّعمة، وَ «بئس» منقول من:
«بئس» بفتح الباء، وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرّفا، وفيهما أربع لغات: «نعم، وبئس» بكسر، وسكون، وهي أفصحهن، ثم «نعم، وبئس» بكسر أولهما، وثانيهما، غير أن الغالب في (نعم) أن يتصل بها (ما) كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وكما في قوله تعالى في الآية رقم [58] من سورة (النساء) : نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ وَ «بئس» اتصلت بها (ما) على اللغة الفصحى، كما في قوله تعالى في الآية رقم [90] : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ... إلخ، والآية رقم [93] : بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ ... إلخ، والآية رقم [150] من سورة الأعراف: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي ... إلخ، واللغة الثالثة: «نعم، وبأس» بفتح، وسكون، والرابعة: (نعم، وبئس) بفتح وكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بدّ لهما من شيئين:
فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، قال ابن مالك رحمه اللّه تعالى في ألفيته: [الرجز]
فعلان غير متصرّفين ... نعم وبئس رافعان اسمين