تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 613
تسلما، فاختصموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال الأب: يا رسول اللّه! أيدخل بعضي النار؛ وأنا أنظر إليه؟! فنزلت الآية الكريمة، فخلّى سبيلهما، وقيل: نزلت في أهل الكتاب؛ إذا قبلوا بذل الجزية، لم يكرهوا على الإسلام. انتهى. خازن.
هذا واختلف في هذه الآية، فقيل: إنّها منسوخة؛ لأنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أكره العرب على الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا الإسلام، فنسختها الآية في سورة التّوبة، وفي سورة التّحريم، وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: «أمرت أن أقاتل النّاس؛ حتّى يقولوا: لا إله إلّا اللّه، فإذا قالوها؛ عصموا منّي دماءهم وأموالهم ... » .
وقيل: إنّها ليست بمنسوخة، وإنّما نزلت في أهل الكتاب خاصّة، وأنّهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية، والذين يكرهون: أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فهم الّذين نزل فيهم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والحجّة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال:
سمعت عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- يقول لعجوز نصرانيّة: أسلمي أيتها العجوز؛ تسلمي، إنّ اللّه بعث محمدا بالحقّ، قالت: أنا عجوز، والموت إليّ قريب، فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ... إلخ، واللّه أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: لا: نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» . إِكْراهَ: اسمها مبني على الفتح في محل نصب. فِي الدِّينِ: متعلقان بمحذوف خبر لا، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
قَدْ: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. تَبَيَّنَ: فعل ماض. الرُّشْدُ: فاعله. مِنَ الْغَيِّ: متعلقان بالفعل: تَبَيَّنَ، وهما في محل نصب مفعول به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الرُّشْدُ والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، فَمَنْ: الفاء: حرف استئناف، (من) : اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يَكْفُرْ: فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) . بِالطَّاغُوتِ: متعلقان به. وَيُؤْمِنْ: معطوف على ما قبله مجزوم مثله والفاعل يعود إلى (من) أيضا. بِاللَّهِ: متعلقان به، فَقَدِ: الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد) : حرف تحقيق مثل سابقه. اسْتَمْسَكَ: فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد. بِالْعُرْوَةِ: متعلقان بما قبلهما. الْوُثْقى: صفة (العروة) مجرورة مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. لَا انْفِصامَ لَها: إعراب هذه الجملة مثل إعراب لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، وهي في محل جر صفة ثانية ل (عروة) ، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والرابط على الاعتبارين الضمير، والجملة الاسمية: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: معترضة في آخر الكلام، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.