تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 552
الأوزاعي، قال: حدّثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه عبد اللّه بن عمرو: أنّ امرأة جاءت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: يا رسول اللّه! إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه منّي. فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنت أحقّ به ما لم تنكحي» . وخذ ما يلي هذه الطّرفة:
فقد روى القالي في أماليه عن أبي عبيدة، قال: جرى بين أبي الأسود الدّؤلي وامرأته كلام في ابن لها منه، وأراد نزعه منها، فصارا إلى زياد بن أبيه، وهو والي البصرة، فقالت المرأة:
أصلح اللّه الأمير، هذا ابني، كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتّى إذا استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوعكت أوصاله، وأمّلت نفعه، ورجوت خيره أراد أن يأخذه كرها، فآوني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري. فقال أبو الأسود: أصلحك اللّه، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، أنا أقوم في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله. فقالت المرأة: أصلحك اللّه، حمله خفّا، وحملته ثقلا، وضعه شهوة، ووضعته كرها. فقال زياد: ردّ على المرأة ولدها، فهي أحقّ به منك، ودعني من سجعك. انتهى. فإن تزوّجت المطلقة؛ فأمّها أحقّ بحضانة أولادها الصّغار.
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ أي: لا يضرّ الوالدان بالولد، فيفرطا في تعهّده، أو يقصّرا في ما ينبغي له، أو يضارّ أحدهما الآخر، بسبب الولد، فترفض الأمّ إرضاعه؛ لتضرّ أباه بتربيته، أو ينتزع الأب الولد منها إضرارا بها؛ مع رغبتها في إرضاعه، ليغيظ أحدهما صاحبه. وإضافة الولد لكلّ منهما في الموضعين للاستعطاف.
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ: اختلفوا في تأويله، فقال عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- وغيره: المراد: وارث أبي الصّبيّ، فعليه أن ينفق على الطّفل، وعلى والدته التي ترضعه، وتحضنه من غير تقصير، ولا إفراط، ولا تفريط. وهو قول الجمهور، وقد استدلّ الحنفيّة، والحنابلة بذلك على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض؛ سواء كانوا من جهة الأب، أو من جهة الأم، كما في المواريث، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم؛ عتق عليه» . وقيل: المراد: وارث الصّبيّ إذا مات. وقيل: المراد: الوارث هو الصّبيّ نفسه؛ أي: عليه إذا ورث أباه بعد موته إرضاع نفسه من المال الذي ورثه.
فَإِنْ أَرادا أي: الأب، والأم. فِصالًا: فطاما للولد. عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ أي: عن اتفاق بينهما على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا مؤاخذة، ولا إثم عليهما. فيؤخذ منه: أنه لا يجوز لأحدهما أن يستبدّ بفطامه دون مشاورة الآخر. وفي هذا احتياط لمصلحة الطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة اللّه