تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 483
مالك الرّومي، وهو عربي الأصل سباه الرّوم، وهو صغير، فجلب إلى مكة، فاشتراه عبد اللّه بن جدعان. وقيل: بل هرب من الرّوم، فقدم مكة، وحالف ابن جدعان، وكان- رضي اللّه عنه- من السّابقين إلى الإسلام، شهد بدرا، والمشاهد كلّها، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين.
قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: نزلت الآية في صهيب- رضي اللّه عنه-. وذلك: أنّه لمّا أراد الهجرة، منعه كفار قريش أن يهاجر بماله، وأخذوه، وعذبوه، فقال لهم: إنّي شيخ كبير، ولا يضركم: أمنكم كنت، أم من غيركم؟ فهل لكم أن تأخذوا مالي، وتذروني، وديني؟! ففعلوا ذلك، وكان شرط عليهم رحله، ونفقة. وفي رواية ثانية: خرج من مكة مهاجرا، فلحقه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، وأخذ قوسه، وقال: لقد علمتم أنّي من أرماكم، وايم اللّه! لا تصلون إليّ؛ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي بيدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم! فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنيّا، وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلّنا على مالك بمكة، ونخلي عنك. فعاهدوه على ذلك، ففعل، فلمّا قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال له: «ربح بيعك أبا يحيى» ، وتلا عليه الآية. وفي رواية: تلقّاه أبو بكر، وعمر- رضي اللّه عنهما- ورجال، فقال له الصّدّيق: ربح بيعك أبا يحيى، فقال له صهيب: وبيعك فلا يخسر! فما ذاك؟
فقال: أنزل اللّه فيك كذا. وقرأ عليه الآية الكريمة.
يَشْرِي نَفْسَهُ: يبيعها، بمعنى: يبذلها في طاعة اللّه من صلاة، وصيام، وحجّ، وجهاد، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر. وقال تعالى عمّا فعل إخوة يوسف فيه: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي: باعوه، وأصله: الاستبدال، ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [111] : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ... إلخ. ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وإن كان ريب الدّهر أمضاك في الألى ... شروا هذه الدّنيا بجنّاته الخلد
ابْتِغاءَ: ابتغاء طلب مرضاة اللّه. وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ حيث أرشدهم إلى مثل هذا الشراء، وكلّفهم بالجهاد، فعرضهم لثواب الغزاة، والشّهداء. هذا؛ والرأفة: أشدّ الرحمة، ورَؤُفٌ صيغة مبالغة، ومن رأفة اللّه بعباده أن جعل النّعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته: أنّه يقبل توبة عبده المذنب، ومن رأفته: أن نفس العباد، وأموالهم ملكه، ثم إنه تعالى يشتري ملكه بملكه فضلا منه، ورحمة، وإحسانا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [143] فإنه جيد، والحمد للّه!.
الإعراب: وَمِنَ النَّاسِ انظر الآية رقم [204] فهو مثله بلا فارق. يَشْرِي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى مِنَ. نَفْسَهُ: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة: مِنَ، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلّا بالإضافة. ابْتِغاءَ مفعول لأجله، وهو مضاف، ومَرْضاتِ مضاف