فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 4400

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 48

تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير، والإنذار، وقيل: زادهم كفرا بزيادة التكاليف الشّرعية؛ لأنهم كانوا كلما ازدادت التكاليف بنزول الوحي؛ يزدادون كفرا. انتهى نقلا من أبي السعود.

هذا وزاد، يزيد: ضد نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد اللّه خالدا خيرا؛ بمعنى: جزاه اللّه خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدّا، فدرهما، ومدّا تمييز، ومثله قل في: نقص، فمن المتعدّي قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا الآية رقم [4] من سورة (التوبة) ، ومن اللازم قوله تعالى في سورة ق رقم [4] : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ.

وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: أي: موجع، مثل السّميع، بمعنى: المسمع، وآلم: إذا أوجع.

والإيلام: الإيجاع، والألم: الوجع، والتألّم: التوجّع. هذا وقال المرحوم سليمان الجمل:

مؤلم بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذّب، يقال: ألم، من باب: طرب، فهو أليم: كوجع، فهو وجيع، أي:

متألّم ومتوجّع، ولا يقال: إنّه بكسر اللام اسم فاعل على طريق الإسناد الحقيقي، كسميع بمعنى:

مسمع لخلوّه من دعوى المبالغة الحاصلة على كونه بفتح اللام؛ حيث يقتضي: أن العذاب لشدّة إيلامه للمعذبين، صار هو كأنه مؤلم، أي: معذب، فهو على حد: جدّ جدّه. انتهى. هذا؛ وعذاب: اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله عطاء، وسلام، وثبات؛ لأعطى، وسلم، وأثبت، هذا والعذاب كل ما شقّ على الإنسان، ومنعه عن مراده، وهو كالنّكال وزنا ومعنى.

تنبيه: وحكمة كفّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ما ثبت في الصحيحين:

أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعمر- رضي اللّه عنه-: «أكره أن يتحدّث العرب: أنّ محمدا يقتل أصحابه» .

وفي رواية ثانية: «معاذ اللّه أن يتحدث الناس أنّي أقتل أصحابي!» . والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقتلهم لمصلحة، وهي تأليف القلوب عليه لئلا تنفر منه، علما بأن أقرباء بعض المنافقين جاؤوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يستأذنونه بقتل ذويهم، الذين ظهر منهم إيذاء له صلّى اللّه عليه وسلّم، وذلك مثل عبد اللّه- رضي اللّه عنه- ابن عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، الذي جاءه يستأذنه في قتل أبيه حينما تكلّم كلاما مسيئا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يعطي المال من أسلم حديثا تألّفا لهم مع علمه بضعف إيمانهم، ولكن جاء التّهديد، والوعيد من اللّه لهم على العموم، مثل قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [60] :

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا قال قتادة: معناه: إذا هم أعلنوا النفاق.

هذا وزيادة النفاق في قلوبهم كانت تحصل من نزول القرآن آية بعد آية، فكانوا كلّما كفروا بآياته؛ ازدادوا كفرا، ونفاقا، والمؤمنون بعكس ذلك، كانوا كلما تليت عليهم آيات القرآن؛ ازدادوا إيمانا، ويقينا. انظر الآية رقم [2] من سورة (الأنفال) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت