تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 509
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ: ولقد اختلف في اسم الواهبة نفسها، فقيل: هي أم شريك الأنصارية، اسمها غزيّة. وقيل: غزيّلة. وقيل: ليلى بنت حكيم. وقيل: هي ميمونة بنت الحارث الهلالية حين خطبها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فجاءها الخاطب، وهي على بعيرها، فقالت:
البعير وما عليه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل: هي أم شريك العامرية. وقيل: هي زينب بنت خزيمة أم المساكين. وقيل: هي خولة بنت حكيم. واللّه تعالى أعلم. هذا؛ وتقييد الواهبة نفسها بمؤمنة دليل واضح على أن الكافرة لا تحل له، وبهذا يتميز النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علينا، حيث لا يحل له نكاح الكافرة، ويحل لنا؛ لأن ما كان من جانب الفضائل، والكرامة فحظه فيه أوفر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر. انتهى. قرطبي عن إمام الحرمين بتصرف مني.
إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها: يطلب نكاحها، ويرغب فيه. وقيل: نكح، واستنكح بمعنى واحد، مثل: أجاب، واستجاب، وعجل، واستعجل. قال النابغة: [الطويل]
وهم قتلوا الطائيّ بالحجر عنوة ... أبا جابر واستنكحوا أمّ جابر
وأعاد لفظ (النبي) ، فأظهر في مقام الإضمار تفخيما له، وتقريرا لاستحقاقه الكرامة لرسالته. خالِصَةً لَكَ: بمعنى خلوصا فهو مصدر مثل: العافية، والعاقبة، والكاذبة، واستعمال الفاعل، والفاعلة في المصادر كثير، ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إيذان بأن الهبة في النكاح من خصوصيات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا يصح بلفظ الهبة لغيره من أمته، وعليه مذهب الشافعي.
قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ: حين إجراء العقد بين الزوجين من شروط، ووجوب المهر بالوطء؛ حيث لم يسم، والقسم بين الزوجات، ووجوب المعاشرة بالمعروف ... إلخ. وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ: من الإيماء، والسراري؛ حيث وسع اللّه الأمر فيهن. لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ أي: ضيق في دينك؛ حيث اختصصناك بالتنزيه، واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات، وزدنا لك الواهبة نفسها.
وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا: لما يعسر التحرز عنه. رَحِيمًا: بالتوسعة في مظان الحرج، وتفسير الحرج بالضيق هنا، وقد فسرته بالمؤاخذة، والإثم في الآية رقم [38] والأول ذكرته في تفسير قوله تعالى في الآية رقم [78] من سورة (الحج) : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
تنبيه: خص اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض، والتحريم، والتحليل مزية على الأمة، وهبت له، ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم على غيره، وحللت له أشياء لم تحلل لأحد من أمته، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه.