تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 443
كانوا منذ عدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين، والذين نكبوا نكبات لا تحصى: من تقتيل، واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من أدوار التاريخ كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم، وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين؛ هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام، إنما كانوا يحاربون أنفسهم بأنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة؛ التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام، والوقوف منهم موقف الخصومة. انتهى. الدرويش.
فلما قالوا ذلك لقريش؛ سرهم، ونشطوا لحرب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤوا غطفان، وقيس بن عيلان، وندبوهم لحرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فأجابوهم، وخرجت قريش، وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدهم عيينة بن حصن الفزاري، ولما تهيأ الجميع للخروج؛ ذهب ركب قبيلة خزاعة في أربع ليال حتى أخبروا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بما أجمعوا عليه، ولا يبعد أن يكون العباس- رضي اللّه عنه- قد بعث من قبله رسولا إلى المدينة يخبر النبي بذلك.
فشرع في حفر الخندق بإشارة سلمان الفارسي رضي اللّه عنه، فإنه قال: يا رسول اللّه! إنا كنا بفارس إذ حوصرنا؛ خندقنا علينا، فعمل فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون؛ حتى أحكموه، وكان النبي يقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعا، ومكثوا في حفره خمسة عشر يوما. وقيل: أربعة وعشرين.
وقيل: شهرا، فلما فرغوا من حفره؛ أقبلت قريش بجموعها، وحلفائها، وجملتهم اثنا عشر ألف مقاتل، فنزلوا حول المدينة، والخندق بينهم وبين المسلمين، فلما رآه المشركون؛ قالوا: هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها. وأخذوا يترامون ويتراشقون مع المسلمين بالنبل، ومكثوا في ذلك الحصار خمسة عشر يوما، وقيل أربعة وعشرين يوما، واشتد الخوف على المسلمين.
ثم إن نعيم بن مسعود- رضي اللّه عنه- من غطفان جاء ليلا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقال له: إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم:"إنما أنت رجل واحد، ابق مع قومك، وخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة". فخرج- رضي اللّه عنه- حتى أتى بني قريظة؛ الذين نقضوا العهد مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وانضموا إلى قريش وحلفائها، وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة! قد عرفتم ودّي إياكم، ونصحي لكم! قالوا: صدقت لست عند نا بمتهم. فقال: إن قريشا، وغطفان جاؤوا لحرب محمد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم، به أموالكم، وأولادكم، ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا، وغطفان أموالهم، وأبناؤهم، ونساؤهم بغيره، إن رأوا نهزة، وغنيمة؛ أصابوها، وإن كان غير ذلك؛ لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين هذا الرجل، والرجل ببلدكم، لا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم؛ حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا؛ حتى تناجزوه! قالوا: لقد أشرت برأي، ونصح.