تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 440
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا أي: عهدا وثيقا عظيما على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضا. والميثاق: هو اليمين باللّه تعالى، فالميثاق الثاني تأكيد للميثاق الأول باليمين. وقيل: الأول هو الإقرار باللّه تعالى، والثاني في أمر النبوة، ونظير هذا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي الآية رقم [81] من سورة (آل عمران) . هذا؛ وفي الآية استعارة مكنية؛ حيث شبه الميثاق بجرم محسوس، واستعار له شيئا من صفات الأجرام، وهو الغلظ؛ للتنويه بعظم الميثاق، وشدته، ومثل الآية قول أبي ذؤيب الهذلي: [الكامل]
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
هذا؛ والميثاق: العهد. وقيل: عهد اللّه إلى خلقه ثلاثة: الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم في قديم الأزل بأن يقروا بربوبيته، ويعترفوا بألوهيته، وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ... إلخ الآية رقم [172] من سورة (الأعراف) . والعهد الثاني خص به النبيين، والمرسلين بأن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدين، وهو المذكور في هذه الآية. والعهد الثالث:
خص به العلماء من كل أمة، وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ الآية رقم [187] من سورة (آل عمران) ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [13] من سورة (الشورى) تجد ما يسرك. هذا؛ ومِيثاقَ* أصله: موثاق، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، ومثله قل في: ميعاد، وميزان.
الإعراب: (إذ) : ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف لهذا المقدر، وأجاز السمين عطفه على محل فِي الْكِتابِ فيكون متعلقا ب: مَسْطُورًا معنى، التقدير: كان هذا الحكم مسطورا في الكتاب، وقت أخذنا ... أَخَذْنا: فعل، وفاعل. مِنَ النَّبِيِّينَ: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
مِيثاقَهُمْ: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: أَخَذْنا ... إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها. (منك) : جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما؛ إذ التقدير: وأخذنا منك. وَمِنْ نُوحٍ: معطوفان على ما قبلهما. وَإِبْراهِيمَ: معطوف على نُوحٍ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. وَمُوسى وَعِيسَى: معطوفان أيضا، وعلامة الجر فيهما الكسرة المقدرة على الألف للتعذر. ابْنِ: صفة عيسى، أو بدل منه، وابْنِ مضاف، ومَرْيَمَ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي، وجملة: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا: معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر مثلها، ومؤكدة لها.