تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 394
لك في سورة (الأنعام) أن المتوفي في الحقيقة هو اللّه تعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر اللّه ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت بنفسه.
بقي شيء آخر ينبغي أن تعلمه، وهو: هل يقبض ملك الموت أرواح جميع الخلائق؟
والجواب: نعم يتوفى أرواح جميع الخلائق حتى البرغوث، والبعوضة. وخذ ما يلي: روى جعفر بن محمد عن أبيه قال: نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم:"أرفق بصاحبي، فإنه مؤمن". فقال ملك الموت- عليه السّلام-:"يا محمد! طب نفسا، وقرّ عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم: أن ما من أهل بيت مدر، ولا شعر، في بر، ولا بحر، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات؛ حتى لأنا أعرف بصغيرهم، وكبيرهم منهم بأنفسهم، واللّه يا محمد! لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك؛ حتى يكون اللّه هو الآمر بقبضها". قال جعفر بن علي: بلغني: أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة.
ذكره الماوردي.
وعن سليمان بن مهير الكلابي، قال: حضرت مالك بن أنس، رضي اللّه عنه، فأتاه رجل، فسأله: أبا عبد اللّه! البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ قال: فأطرق مالك طويلا، ثم قال:
ألها نفس؟ قال: نعم، قال: ملك الموت يقبض أرواحها؛ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها.
وروى مجاهد: أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان، يأخذ من حيث شاء.
وروي: أن ملك الموت لما وكله اللّه تعالى بقبض الأرواح، قال: رب جعلتني أذكر بسوء، ويشتمني ابن آدم. فقال اللّه تعالى له: إني أجعل للموت عللا، وأسبابا من الأمراض، والأسقام ينسبون الموت إليها، فلا يذكرك أحد إلا بخير. وقد ذكر: أنه يدعو الأرواح فتجيئه، ويقبضها، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة، أو العذاب. انتهى. قرطبي بتصرف كبير مني.
وعن معاذ بن جبل- رضي اللّه عنه- قال: إن لملك الموت حربة، تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهي تتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة، وقال له: الآن تنزل بك سكرات الموت. انتهى. خازن، وقال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب.
بقي شيء آخر، وهو: أنه قد يرد سؤال، كيف يستطيع عزرائيل قبض أرواح الألوف من المخلوقات في لحظة واحدة من الزمان، والجواب عن ذلك: كما يمكن إطفاء الألوف من المصابيح الكهربائية في لحظة واحدة يستطيع عزرائيل قبض أرواح الألوف؛ بل الملايين من المخلوقات في لحظة واحدة بما منحه اللّه من قوة، وتسلط على أرواح المخلوقات.