تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 337
-رضي اللّه عنه- قال: صلى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة الصبح بالحديبية في إثر مطر نزل بالليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال:"هل تدرون ما ذا قال ربّكم اللّيلة؟". قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: قال:"أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل اللّه ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك مؤمن بالكوكب، كافر بي". رواه مسلم.
تنبيه: ذكر اللّه في هذه الآية، والآيات التالية بعض الحكم، والوصايا التي أوصى بها لقمان- عليه الصلاة والسّلام- ابنه. وفي الخطيب، فرجع الابن إليه، وأسلم، ثم قال له: يا بني! اتخذ تقوى اللّه تعالى تجارة؛ يأتك الربح من غير بضاعة. يا بني احضر الجنائز، ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكر الآخرة، والعرس يشهيك الدنيا، يا بني! لا تكن أعجز من هذا الديك، الذي يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، يا بني! لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة، يا بني! لا ترغب في ود الجاهل، فيرى أنك ترضى عمله، يا بني! اتق اللّه، ولا تر الناس: أنك تخشى اللّه؛ ليكرموك بذلك، وقلبك فاجر، يا بني! ما ندمت على الصمت قطّ، فإن الكلام إذا كان من فضة؛ كان السكوت من ذهب، يا بني! اعتزل الشرّ، كما يعتزلك، فإنّ الشر للشر خلق، يا بني عليك بمجالسة العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن اللّه تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل المطر. يا بني! من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمّه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.
يا بني لا ترسل رسولك جاهلا، فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك، يا بني لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزنا طويلا، يا بني! يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم، يا بني! اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه اللّه عز وجل، فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك غبيا يعلموك، وإن يطلع اللّه عز وجل عليهم برحمة تصبك معهم، يا بني! لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر اللّه فيه، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن غبيا يزيدوك غباوة، وإن يطلع اللّه عليهم بسخط يصبك معهم.
يا بني! لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء، يا بني! إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيه ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى اللّه، وحشوها الإيمان باللّه، وشراعها التوكل على اللّه، لعلك تنجو، يا بني! إني حملت الجندل والحديد، فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها، فلم أذق أشد من مرارة الفقر، يا بني! كن كمن لا يبتغي محمدة الناس، ولا يكسب مذمتهم، فنفسه منهم في غنى، والناس منه في راحة، يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.
يا بني! لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم. يا بني! إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه، وإلا فاحذره. يا بني! إنك منذ نزلت إلى الدنيا؛ استدبرتها،