تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 7، ص: 148
وعن حذيفة- رضي اللّه عنه- قال: سأل رجل على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمسك القوم، ثم إن رجلا أعطاه، فأعطى القوم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"من سنّ خيرا فاستنّ به كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا". رواه أحمد، والحاكم.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنعام) الآية رقم [31] : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ.
وحمل الذنوب- بالمعنيين: الأوزار، والأثقال- قيل به: إن الكافر إذا خرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك؛ حتى أخزيك على رؤوس الخلائق! فيركبه، ويتخطّى به الناس، حتى يقف بين يدي اللّه تعالى. وأقول: إن الفاسق، والفاجر ليس من ذلك ببعيد. واللّه أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ: من الأباطيل التي أضلوا بها غيرهم، يسألون سؤال توبيخ، وتقريع؛ لأن اللّه تعالى عالم بأعمالهم، وأحوالهم، وافترائهم. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحجر) : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، وهذه الآية تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم، كافرهم ومؤمنهم، وفي سؤاله الكافر، ومحاسبته خلاف بين العلماء، والذي يظهر سؤاله لهم، لقوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ، وقوله عز وجل: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ، فإن قيل: فقد قال اللّه تعالى: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، وقال: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فالجواب: أن ليوم القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال، وكلام، وموطن لا يكون فيه ذلك. وقال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: لا يسألهم سؤال استخبار، واستعلام، ولكن يسألهم سؤال تقريع، وتوبيخ، فيقول لهم: لم عصيتم القرآن؟ وما حجتكم فيه؟
قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآيات الاستعتاب لقوله تعالى: ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ، وقوله جل ذكره: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.
هذا؛ وأصل الفعل: (ليحملن) يحملون، فلما اتصلت به نون التوكيد الثقيلة صار: (ليحملوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار: (ليحملونّ) فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، فصار: (ليحملنّ) وبقيت الضمة على اللام لتدل على الواو المحذوفة، ومثله: (ليسألن) وشبهه.
الإعراب: وَلَيَحْمِلُنَّ: الواو: حرف استئناف، اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: واللّه. (يحملن) : فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له. أَثْقالَهُمْ: مفعول به، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وَأَثْقالًا: الواو: حرف عطف. (أثقالا) :