تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 350
لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نصّ عليه ابن عباس، وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأول: لمن شاهد الكعبة، والأمر الثاني: لمن هو في مكة غائبا عن الكعبة، والأمر الثالث: لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي. وقال القرطبي: الأول: لمن هو في مكة، والثاني: لمن هو في بقيّة الأمصار، والثالث: لمن خرج في الأسفار.
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ: المراد بهم اليهود، فإنّهم يعلمون من صفة هذه الأمّة التوجّه إلى الكعبة، فإن فقدوا ذلك من صفتها؛ ربما احتجّوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجّوا بموافقة المسلمين إيّاهم في التوجّه إلى بيت المقدس. وقال أبو العالية: يعني به أهل الكتاب حين قالوا:
صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه، ودين قومه، وكانت حجّتهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انصرافه إلى البيت الحرام، أن قالوا: سيرجع إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا.
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي: إلا المعاندين منهم: اليهود، والمشركون، فاليهود قالوا: ما تحوّل محمد إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين آبائه، وحبّا لبلده. والمشركون قالوا: رجع محمّد إلى قبلة إبراهيم، وسيرجع إلى دين آبائه، وأجداده. وجواب الجميع: أن اللّه تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربّه تعالى في ذلك، ثمّ صرفه إلى قبلة إبراهيم، وهي الكعبة، فامتثل أمر اللّه تعالى في ذلك أيضا، فهو- صلوات اللّه وسلامه عليه- مطيع للّه في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر اللّه تعالى طرفة عين، وأمته تبع له.
ذكر الأخفش، والفرّاء، وأبو عبيدة، ومعمر بن المثنى: أنّ «إلّا» تأتي عاطفة بمنزلة الواو في التّشريك في اللفظ، والمعنى، وجعلوا منه: إِلَّا في هذه الآية، والآية رقم [11] من سورة النّمل، وتأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع، وخذ قول الفرزدق: [البسيط]
ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلّا دار مروانا
فالعطف فيه ظاهر، وأيضا قول الآخر: [الكامل]
وأرى لها دارا بأغدرة ال ... يدان لم يدرس لها رسم
إلّا رمادا هامدا دفعت ... عنه الرّياح خوالد سحم
هذا؛ والمراد بحجّتهم الاعتراض، والمجادلة بالباطل، لا الحجّة حقيقة، والمجادلة الباطلة قد تسمّى حجة، كقوله تعالى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لشبهها لها صورة، وسمّاها اللّه تعالى حجّة، وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة. والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة؛ حيث قالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وتحيّر محمّد في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تصدر إلا من عابد وثن، أو من يهوديّ، أو منافق.