تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 611
هذا؛ وقد ذكر القرطبي، والخازن روايات، وحكايات طويلة تنص في نهايتها: أن إدريس عليه السّلام حيّ في الجنة. وقال الخازن. وقالوا: أربعة من الأنبياء أحياء: اثنان في الأرض، وهما الخضر وإلياس، واثنان في السماء: وهما: إدريس، وعيسى عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.
هذا؛ وقال عبد الوهاب النجار: اختلف الحكماء في مولده ونشئته، وعمن أخذ العلم، فقالت فرقة: ولد بمصر، وسموه هرمس الهرامسة. وقال هؤلاء: إن معلمه اسمه الغوثاذيمون، ومعناه: الجد السعيد. وقالوا: خرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها، ثم عاد إليها ورفعه اللّه إليه بها، وذلك بعد اثنتين وثمانين سنة من عمره. وقالت فرقة أخرى: ولد إدريس ببابل، وبها نشأ، وأنه أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، وهو جد جد أبيه؛ لأنه إدريس بن يارد، بن مهلائيل، بن قينان، بن أنوش بن شيث، ولما كبر إدريس؛ آتاه اللّه النبوة، فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم، وشيث، فأطاعه أقلهم، وخالفه جلهم، فنوى الرحلة عنهم، وأمر من أطاعه منهم بذلك، ثم خرج بهم إلى مصر، وأقام إدريس عليه السّلام ومن معه بمصر، وأخذ يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطاعة اللّه عز وجل، وقيل: إن اسمه الحقيقي أخنوخ.
ودعا إلى دين اللّه، والقول بالتوحيد، وعبادة الخالق، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، وحض على الزهد في الدنيا، والعمل بالعدل، وأمرهم بصلوات ذكرها لهم على صفات بينها، وأمرهم بصيام أيام معروفة من كل شهر، وأمرهم بزكاة الأموال معونة للضعفاء بها، وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، والخنزير والكلب، وحرم المسكر بجميع أنواعه. انتهى. باختصار.
وأضيف ما ذكر الجمل نقلا من التحبير للسيوطي: أن إدريس عليه السّلام هو جد نوح، ولد في حياة آدم قبل موته بمئة سنة، وبعث بعد موته بمئتي سنة، وعاش بعد نبوته مئة وخمسين سنة، فتكون جملة عمره أربعمئة سنة، وكان بينه وبين نوح ألف سنة. انتهى. أقول: هذا يخالف ما ذكر، وأقول: إن بعث رسول ومنحه الرسالة بعد ثلاثمئة سنة من عمره لم يقل به أحد، ولم ينقل: أن نبيّا تنبأ بعد مجاوزة الأربعين من عمره.
تنبيه: إعراب الآية الأولى واضح إن شاء اللّه تعالى، وقد مر معنا كثير مثلها. وَرَفَعْناهُ: فعل، وفاعل، ومفعول به. مَكانًا: ظرف مكان متعلق بما قبله. عَلِيًّا: صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا فهي في محل رفع مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من إِدْرِيسَ فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير و"قد"قبلها مقدرة.