تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 314
وقرئ: (أمّرنا) بتشديد الميم؛ أي: سلطنا شرارها على ضعفائها، ففسقوا فيها وعصوا.
وقال أبو عثمان النهدي: جعلناهم أمراء مسلطين. وقرئ: (أمِرنا) وهو يحتمل التكثير والتأمير، وفي حديث هرقل من قول أبي سفيان:"لقد أمر أمر ابن أبي كبشة"، وهو يحتمل العلو، والتأمير، ويحتمل الكثرة. هذا؛ والمترف: هو الذي أبطرته النعمة ورغد العيش. فَفَسَقُوا فِيها أي: خرجوا فيها عن طاعة اللّه إلى المعاصي، وتخصيص المترفين بالذكر؛ لأنهم أسرع إلى الحماقة، وأقدر على الفجور، ولأن غيرهم يتبعهم. انتهى. بيضاوي.
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ أي: وجب عليها العقاب الموعود للفاسقين، والمجرمين. فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا أي: أهلكناها إهلاك استئصال بإهلاك أهلها، وتخريب ديارهم، وإن كان فيها بعض الصالحين، فإن العذاب يعمّهم جميعا. انظر الآية رقم [61] من سورة (النحل) ففيها بحث جيد، وعن أمّ المؤمنين زينب بنت جحش: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخل عليها فزعا، يقول:"لا إله إلّا اللّه، ويل للعرب من شرّ قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج، ومأجوج مثل هذه". وحلّق بأصبعيه الإبهام، والتي تليها. قالت زينب: قلت يا رسول اللّه! أَنهلك وفينا الصالحون؟ قال:"نعم إذا كثر الخبث". متفق عليه، واللّه أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أوامر اللّه تعالى بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات: الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها، والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إيّاها؛ فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خططه؛ خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر، وما دام في درجة التغابي، أو الانهماك، فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق؛ الذي هو مسمى الإيمان.
هذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى. الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ. الثالث: الحركة والإمالة، يقال:
قالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال، كما في قوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ.
الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذا قول الأشاعرة؛ أي: ما يعتقدونه.
وانظر الكلام في الآية رقم [109] من سورة (المؤمنون) .
الإعراب: وَإِذا: الواو: حرف استئناف (إِذا أَرَدْنا) : انظر الآية رقم [5] والمصدر المؤول من: أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً في محل نصب مفعول به. أَمَرْنا: فعل، وفاعل. وانظر إعراب: (حفظنا) في الآية رقم [17] من سورة (الحجر) . مُتْرَفِيها: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة: أَمَرْنا مُتْرَفِيها جواب (إذا) لا محل لها. وقيل: الجملة صفة قَرْيَةً، والجواب