تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 14
شكرتم إنعامي؛ لأزيدنكم من فضلي، وقال ابن عباس- رضي اللّه عنهما- أي: لئن شكرتم نعمتي؛ لأزيدنكم من طاعتي. وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ: المراد بالكفر هنا جحود النعم؛ لأنه مذكور في مقابلة الشكر. إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ أي: عقابي الشديد لمن جحد نعمتي، وسمى سبحانه جحود النعمة كفرا؛ لأن معنى الكفر اللغوي: الستر، والتغطية كما رأيت في الآية رقم [37] من سورة (يوسف) عليه السّلام، فمن جحد النعمة كان بمنزلة من سترها، وغطاها. وجملة القول:
إن شكر العبد للّه على نعمه يعود على نفسه بالثواب العظيم، والنفع العميم، وعدم الشكر لا يضر اللّه شيئا، خذ قوله تعالى في سورة (النمل) حكاية عن قول سليمان عليه السّلام:
أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ وقوله تعالى في سورة (لقمان) : وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
فائدة: وعد اللّه عز وجل بالمزيد من النعم إن شكره العبد عليها، ولم يستثن، بينما استثنى في خمسة أشياء بعد الوعد فيها، فاستثنى الإغناء، فقال: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ وفي الإجابة، فقال: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وفي الرزق، فقال: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ* وفي المغفرة، فقال: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* وفي التوبة، فقال: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ومعنى الاستثناء التعليق بالمشيئة، واللّه أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: وَإِذْ: الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إِذْ) : هي مثل ما قبلها في الآية السابقة. تَأَذَّنَ: ماض. رَبُّكُمْ: فاعل والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إِذْ) إليها.
لَئِنْ: اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن) : حرف شرط جازم. شَكَرْتُمْ: ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والمفعول محذوف، التقدير: شكرتموني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. لَأَزِيدَنَّكُمْ اللام: واقعة في جواب القسم. (أزيدنكم) : مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والنون حرف لا محل له، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: لأزيدنكم نعمة فوق نعمتكم، والجملة الفعلية هذه جواب القسم لا محل لها، وجواب الشرط محذوف على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك رحمه اللّه في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقال: لئن ... إلخ، أو في محل نصب مفعول به ل: تَأَذَّنَ؛ لأنه يجري مجرى قال. انتهى. بيضاوي. وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إعرابه مثل سابقه، وجواب القسم محذوف، التقدير: لأعذبنكم، دل عليه ما بعده،