تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 5، ص: 9
لسان السّوء تهديها إلينا ... وَحنت، وما حسبتك أن تحينا
فيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر كقول الآخر: [المتقارب]
أتتني لسان بني عامر ... فجلّى أحاديثها عن بصر
وقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى، وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط]
إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر
قال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها وكسرها، أي أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة، وقد أطلقه اللّه على القرآن بكامله مع التذكير في سورة (النحل) ، الآية رقم [103] حيث قال جل ذكره: وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلت قدرته: وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا الآية رقم [49] من سورة (مريم) على نبينا وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
تنبيه: قال القرطبي: ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه، أي في نفي بعثة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الناس كافة؛ لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ترجمة يفهمها لزمته الحجة، وقد قال اللّه تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «والّذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة، يهوديّ ولا نصرانيّ، ثمّ لم يؤمن بالّذي أرسلت به إلّا كان من أصحاب النار» . أخرجه مسلم، وقال: «أرسل كلّ نبيّ إلى أمّته بلسانها، وأرسلني اللّه إلى كلّ أحمر، وأسود من خلقه» . انتهى.
وقال الخازن: بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من العرب، وبلسانهم، والناس تبع للعرب، فكان مبعوثا إلى جميع الخلق؛ لأنهم تبع للعرب، ثم إنه يبعث إلى الأطراف، فيترجمون لهم بألسنتهم، ويدعونهم إلى اللّه تعالى بلغاتهم، وقيل: إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه، وكانت دعوته خاصة، وكان كتابه بلسان قومه، كان أقرب لفهمهم عنه، وقيام الحجة عليهم في ذلك، فإذا فهموه، ونقل عنهم؛ انتشر عنهم علمه، وقامت التراجم ببيانه، وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله، وإذا كان الكتاب واحدا بلغة واحدة، مع اختلاف الأمم، وتباين اللغات، كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين، في تعليم معانيه، وتفهيم فوائده، وغوامضه، وأسرار علومه، وجميع حدوده وأحكامه. انتهى.
الإعراب: وَما: الواو: حرف استئناف. (ما) : نافية. أَرْسَلْنا: فعل وفاعل. مِنْ: حرف جر صلة. رَسُولٍ: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. إِلَّا: حرف حصر. بِلِسانِ: متعلقان