تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 287
هو الذي ذمّه اللّه في كتابه في قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إيّاكم والحسد فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب» أو قال:
«العشب» . أخرجه أبو داود، وغيره عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-، وانظر ما ذكرته في سورة (الفلق) وفي الآية رقم [54] من سورة (النّساء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا أي: اتركوهم، وأعرضوا عنهم، فلا تؤاخذوهم، وكان هذا الأمر بالعفو، والصّفح قبل أن يؤمر بالقتال، فنسخ ذلك بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وقوله جلّ ذكره: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... وكذا قال أبو العالية، وقتادة، والسّدي: إنّها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي: بعقابه، وبعذابه، وهو القتل، والسبي لبني قريظة، والإجلاء، والنّفي لبني النّضير. قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-: هو أمر اللّه بقتالهم. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: انظر الآية رقم [106] .
الإعراب: وَدَّ كَثِيرٌ: فعل، وفاعل. مِنْ أَهْلِ: متعلقان ب كَثِيرٌ أو بمحذوف صفة له، وأَهْلِ مضاف، والْكِتابِ مضاف إليه. لَوْ: حرف مصدري.
يَرُدُّونَكُمْ: فعل مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله الأول. مِنْ بَعْدِ: متعلقان بما قبلهما، وبَعْدِ مضاف، وإِيمانِكُمْ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. كُفَّارًا: مفعول به ثان، ولَوْ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: وَدَّ، وبعضهم يعتبر لَوْ شرطية امتناعية، ويقدر لها جوابا كما يلي: لو يردونكم كفارا، لسروا، وفرحوا بذلك. والأوّل أقوى، وأتمّ معنى، كما اعتبر أبو البقاء: كُفَّارًا حالا من كاف الخطاب، والمرجّح الأول.
حَسَدًا: مفعول لأجله، والعامل فيه: وَدَّ. مِنْ عِنْدِ متعلقان ب حَسَدًا أو بمحذوف صفة له، وجوز تعليقهما بالفعل: وَدَّ، والأول أقوى معنى وأتمّ سبكا، وعِنْدِ مضاف، وأَنْفُسِهِمْ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. مِنْ بَعْدِ: متعلقان بالفعل: وَدَّ.
ما: مصدرية. تَبَيَّنَ: فعل ماض. لَهُمُ: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
الْحَقُّ: فاعل، وما والفعل تَبَيَّنَ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بَعْدِ إليه، التقدير: بعد تبيين الحق لهم، وجملة: وَدَّ: مستأنفة لا محل لها. فَاعْفُوا: الفاء: فيها أقوال، فبعضهم يعتبرها عاطفة جملة إنشائية على جملة خبرية، وابن هشام يعتبرها للسّببيّة المحضة، وأنا أعتبرها الفاء الفصيحة. (اعفوا) : فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا حصل من اليهود مثل هذه الأقوال؛ فاعفوا عنهم، واصفحوا. ومتعلّق الفعلين محذوف، التقدير: عنهم.