تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 270
هذا؛ وبعضهم يعتبر السّحر من الكبائر التي نهى اللّه عنها، ويرى تحريمه، من ذلك ما روي عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه-: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» ، قيل:
يا رسول اللّه! وما هنّ؟ قال: «الإشراك باللّه، والسّحر، وقتل النفس الّتي حرّم اللّه إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنى، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
أخرجه البخاريّ، ومسلم، ويروى: «أكل الربا» بدل «الزنى» . وأيضا ما ري عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما- عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من أتى كاهنا، أو ساحرا، فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم» . رواه بإسناد جيّد قويّ.
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما: من الملكين. ما يُفَرِّقُونَ بِهِ: بالسّحر. بَيْنَ الْمَرْءِ: الرّجل، وضم الميم فيه لغة تقول: هذا مرء صالح، وهما مرآن، وجمعه رجال من غير لفظه، والمؤنثة:
امرأة، والمثنى: امرأتان، وجمعها من غير لفظه نساء. وَما هُمْ أي: السّحرة بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي: بإرادته، وقضائه، لا بأمره؛ لأنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء، ويقضي على الخلق بها.
وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ أي: في الغالب بسبب استعماله في إيذاء الناس. وَلا يَنْفَعُهُمْ أي: في الآخرة، إن أخذوا على استعماله دريهمات في الدّنيا؛ فلا قيمة لها بجانب الضّرر الذي يلحقهم في الآخرة. وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ: اختاره صنعة، أو استبدله بكتاب اللّه. ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ: من نصيب. وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي: البديل الذي استبدلوا به من السّحر عوضا من الإيمان، ومتابعة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ولو كان لهم علم بما وعظوا به؛ لاتّعظوا، وانتفعوا. وهذا جار على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أنّ العالم بالشيء إذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم، كما ينفى عن الجاهلين، والحكمة من تعليم الملكين النّاس السّحر: أن السحر كثر في ذلك الزّمن واخترعوا فنونا غريبة من السّحر، وربما زعموا: أنّهم أنبياء، فبعث اللّه تعالى الملكين؛ ليعلما النّاس وجوه السحر؛ حتّى يتمكّنوا من التمييز بينه، وبين المعجزة، ويعرفوا:
أنّ الذين يدّعون النّبوة كذبا إنّما هم سحرة، لا أنبياء.
تنبيه: روى الترمذيّ عن جندب الأزديّ- رضي اللّه عنه-: أنّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
«حدّ السّاحر ضربه بالسّيف» . وقد روي من طرق متعدّدة: أن الوليد بن عقبة، كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرّجل، ثم يصيح به، فيرد إليه الرأس. فقال النّاس: سبحان اللّه! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب السّاحر يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرّجل سيفه، وضرب به عنق السّاحر، وقال: إن كان صادقا فليحيي نفسه، وتلا قول اللّه تعالى: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ فغضب الوليد؛ إذ