تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 250
ورسله، فلستم تتّبعون إلا مجرد الأهواء، والآراء، والتشهّي، كما قال تعالى في الآية رقم [87] : أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ. وهذا من مخاطبة الأبناء بما فعل الآباء، ففيه زيادة توبيخ، وتقريع، وتأنيب.
(لم) : كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف اللام الجارة، والاسم (ما) الاستفهامية، وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جار، نحو قوله تعالى: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ وذلك للفرق بين الموصولة والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر والاستخبار، ومن شواهدها الشعريّة قول الكميت، وهو الشاهد رقم [554] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» : [الطويل]
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم ... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟
وأيضا قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي- رضي اللّه عنه-، وهو الشّاهد رقم [250] من الكتاب المذكور: [الطويل]
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت
هذا؛ وقد ثبت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر، ومنه قول حسّان بن ثابت- رضي اللّه عنه- يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [556] من الكتاب المذكور: [الوافر]
على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرّغ في دمان
هذا؛ وَ (وراء) جاء هنا بمعنى: ما بعده، وبما سواه، ويأتي بمعنى: أمام، وقدّام، وخلف، ومن الأول قوله تعالى في سورة الكهف رقم [79] : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا وأيضا قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [100] : وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ كما يأتي بمعنى: بعد، خذ قوله في سورة (هود) رقم [71] : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ أي:
من بعد إسحاق يعقوب، وقال النابغة الذبياني: [الطويل]
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وَليس وراء اللّه للعبد مطلب
أي: وليس بعد اللّه جلّ جلاله، وكذلك قوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ أي: من بعده، ومن مجيئه بمعنى: أمام، وقدّام قول لبيد- رضي اللّه عنه-: [الطويل]
أَليس ورائي إن تراخت منيّتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
وأيضا قول سوار بن المضرب السّعدي- وكان قد هرب من الحجّاج حين فرض البعث مع المهلب بن أبي صفرة لقتال الخوارج-: [الطويل]