تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 4، ص: 141
وبِالْباطِلِ: في الآية رقم [139] (الأعراف) ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ: لقد اختلف في المراد بهؤلاء، فقال معاوية: هم الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين؛ وذلك: أنه سبحانه وتعالى لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان، في الحرص، على أخذ الأموال بالباطل؛ حذر المسلمين من ذلك، وذكر وعيد من جمع المال، ومنع حقوق اللّه فيه.
وقال أبو ذر الغفاري رضي اللّه عنه: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين، وكان الاختلاف في تفسير هذه الآية بين معاوية وأبي ذر سببا في إبعاد أبي ذر عن المدينة، إلى الرّبذة. وَلا يُنْفِقُونَها: لم يعد الضمير مثنى على الذهب والفضة، وفي ذلك أجوبة: الأول: قصد الأغلب والأعم، وهي الفضة، قاله ابن الأنباري، ومثله قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ وقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها فأعاد الضمير للصلاة وللتجارة، فالصلاة أعم، والتجارة أهم- الثاني: أن الضمير للكنوز- الثالث: أن الضمير للأموال- الرابع:
الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر، إذا فهم المعنى، قال ابن أحمر: [الطويل]
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا، ومن أجل الطويّ رماني
لم يقل: بريئين، والطوي: البئر. فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ: انظر مثل هذه البشارة في الآية رقم [4] وقد فسر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم البشارة في هذا العذاب بقوله: «بشّر الكنّازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم؛ حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه؛ حتى يخرج من حلمة ثدييه، فيتزلزل» . أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه. الرضف، والحجارة، والنغض بفتح النون وضمها: أعلى الكتف، قال العلماء: فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه؛ لتعذيب قلبه، وباطنه حين امتلأ بالفرح بكثرة المال والسرور في الدنيا، فعوقب بالهم والعذاب في الآخرة. انتهى. قرطبي. هذا؛ والنغض بسكون الغين وبفتح النون وضمها.
روى أبو داود عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي اللّه! إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: «إن اللّه لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم» . قال: فكبّر عمر رضي اللّه عنه، ثم قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء، المرأة الصالحة، إذا نظر إليها؛ سرّته، وإذا أمرها؛ أطاعته، وإذا غاب عنها؛ حفظته» . وروى الترمذي وغيره عن ثوبان رضي اللّه عنه أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: قد ذم اللّه سبحانه الذهب والفضة، فلو علمنا أي: المال خير حتى نكتسبه، فقال عمر رضي اللّه عنه: أنا أسأل لكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسأله، فقال: «لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة تعين المرء على دينه» . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [180] من سورة (آل عمران) .