تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 175
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا ... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد
وقولهم: لا ترفع عصاك عن أهلك، يراد به الأدب. هذا؛ وكانت من آس الجنّة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتّقدان في الظّلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء؛ حتى وصلت إلى شعيب، وأعطاها لموسى- على نبيّنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام- لما استأجره لرعاية الغنم. الْحَجَرَ: «الحجر» معروف، وقياس جمعه في القلّة: أحجار، وفي الكثرة: حجار، وحجارة نادر، وهو كقولنا: جمل، وجمالة، وذكر، وذكارة. كذا قال ابن فارس، والجوهري. قال القرطبي- رحمه اللّه تعالى-: وفي القرآن: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ، وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ، قُلْ كُونُوا حِجارَةً، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ، وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً فكيف يكون نادرا؟! إلا أن يراد: أنه نادر في القياس، كثير في الاستعمال فصيح، واللّه أعلم.
قال وهب بن منبه- رحمه اللّه تعالى-: لم يكن حجرا معيّنا، بل كان موسى يضرب أي حجر كان، فينفجر عيونا، وهذا أعظم في الآية، والإعجاز. وقيل كان حجرا معيّنا، كان موسى يضعه في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء؛ وضعه، وضربه بعصاه، فيتفجّر الماء، فأخذوا كفايتهم منه، فإذا ضربه ثانية؛ فيمسك الماء. قال سعيد بن جبير- رحمه اللّه تعالى-: وهو الذي فرّ بثوبه حين اغتسل في النّهر، فأتاه جبريل عليه السّلام حين فرّ بثوبه. وقال: إنّ اللّه يأمرك أن ترفع هذا الحجر معك، فوضعه في مخلاته، وحفظه، وكان من رخام كرأس الرّجل مربّع، وكان إذا ضربه تتفجّر منه اثنتا عشرة عينا بعدد القبائل المتفرعة عن أولاد يعقوب عليه السّلام، من كل وجه ثلاث عيون، وكلّ قبيلة تعرف عينها، لا يشركها فيها غيرها.
والحكمة من ذلك: أنّ قوم موسى عليه السّلام كانوا كثيرين، وكانوا في الصحراء، والناس إذا اشتدت الحاجة إلى الماء، أو إلى أي شيء من ضرورات الحياة، ثم وجدوه، فإنّه يقع بينهم تشاجر، وتنازع، فأكمل اللّه هذه النعمة عليهم بأن عيّن لكلّ سبط منهم ماء معينا على عددهم؛ لأنهم كانوا اثني عشر سبطا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر، وهو فحوى قوله تعالى:
فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ. هذا؛ وفي سورة الأعراف رقم [160] : فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ ... إلخ. قال المفسرون: انفجرت، وانبجست بمعنى واحد. وقيل:
انبجست؛ أي: عرقت، وانفجرت؛ أي: سالت.
قال القرطبي وغيره: ما أوتي نبيّنا، وحبيبنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من نبع الماء، وانفجاره من يده، ومن بين أصابعه أعظم في المعجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار آناء اللّيل، والنّهار، ومعجزة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، لم تكن لنبيّ قبله، يخرج الماء من بين لحم ودم، روى الأئمة الثقات، والفقهاء الأثبات عن جمع من الصحابة، قالوا: كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فعطش الناس؛ حتّى كادوا يهلكون، فطلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا من الماء، فأتي بوعاء صغير، كالإجّانة، فأدخل يده فيه، فأخذ