تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 150
التوبيخ، والتقريع الموجّه إليهم بما فعل آباؤهم من عبادة العجل، ونقض العهود، وخلف الوعود، وغير ذلك من سيّئ الأعمال، وفاحش الفعال، والأقوال.
هذا وذكر الطّبريّ: أنّ موسى- على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل، كما قال تعالى في سورة طه: أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي، والمتاع من نساء القبط،- وأحل اللّه لهم ذلك؛ لأنهم حربيّون، ويجوز أخذ مال الحربي بأية طريقة كانت- فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم فرعون بذلك. فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدّيكة، فلم يصح تلك الليلة ديك، وأمات اللّه تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط، فاشتغلوا في الدّفن، وخرجوا في صباح تلك الليلة مشرقين، كما قال تعالى في سورة الشعراء: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدّة بني إسرائيل نيفا على ستمئة ألف، وكانت عدّة قوم فرعون ألف ألف ومئتي ألف.
هذا وقال الخازن- رحمه اللّه تعالى-: فلمّا أرادوا السير؛ ضرب عليهم التيه، فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل، وسألهم عن ذلك، فقالوا: إن يوسف عليه السّلام لمّا حضره الموت أخذ عهدا على إخوته، وعلى بنيهم أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم، فلذلك انسدّ عليهم الطريق، فسألهم عن موضع قبره، فلم يعلموه، فجعل ينادي: أنشد اللّه كلّ من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني، فسمعته عجوز منهم. فقالت له: أرأيتك إن دللتك على قبره، أتعطيني كل ما أسألك؟ فأبى عليها. وقال: حتى أسأل ربي، فأمره اللّه أن يعطيها سؤالها. فقالت: إني عجوز لا أستطيع المشي، فاحملني معك، وأخرجني من مصر في هذه الدنيا، وأما في الآخرة، فأسألك أن لا تنزل غرفة من غرف الجنة إلا أنزلتني معك! قال: نعم.
قالت: إنّه في النيل في جوف الماء، فادع اللّه أن يحسر عنه الماء، فدعا اللّه، فحسر عنه الماء، ودعا اللّه أن يؤخّر عنه طلوع الفجر؛ حتى يفرغ من أمر يوسف، ثم حفر موسى ذلك الموقع، فاستخرجه وهو في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بفلسطين، بجوار أبيه يعقوب، وجدّه إسحاق، وإبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة وألف سلام. انتهى خازن بتصرف.
والمحفوظ: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان جالسا يقسّم غنائم هوازن في وادي حنين، فوقف عليه رجل من الناس، فقال: إنّ لي عندك موعدا يا رسول اللّه! قال: «صدقت، فاحتكم ما شئت» . فقال:
أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها. قال: «هي لك، وقد احتكمت يسيرا، ولصاحبة موسى الّتي دلّته على عظام يوسف؛ كانت أحزم منك، وأجزل حكما منك حين حكمها موسى. فقالت: حكمي أن تردني شابة، وأن أدخل معك الجنّة، فقال لها: لك ذلك» . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [101] من سورة (يوسف) عليه السّلام.