تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 14
وسمّيت فاتحة الكتاب؛ لأنها تفتتح قراءة القرآن بها لفظا، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطّا وتفتتح بها الصلوات، والمرجّح: أنها أوّل سورة كاملة نزلت، وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بجعلها أول القرآن، وانعقد الإجماع على ذلك، وهي سبع آيات بالاتفاق، فمن عدّ البسملة آية منها لا يقف على: الْمُسْتَقِيمَ ومن لم يعدّها آية منها يقف على الْمُسْتَقِيمَ وهي سبع وعشرون كلمة، ومئة وأربعون حرفا.
حكمها في الصّلاة: هي ركن في كلّ ركعة من ركعات الصلاة: الفرض، والنفل عند الشافعي، وأحمد، وعند مالك في القول الثاني له، وهو المعتمد في مذهبه لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن، فهي خداج- ثلاثا-» وقد تقدّما لحديثان قريبا. ولا تعدّ ركنا في ركعات الصلاة عند أبي حنيفة، بل تعدّ واجبا، الواجب عنده دون الفرض والرّكن، وهو: ما ثبت بدليل ظنّي، واستدل بقول اللّه تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وبقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمسيء الصلاة: «ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن» ، فتصح الصلاة إذا قرأ في صلاته غير الفاتحة، ولكن فيها نقص، فيجب إعادتها، وقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.
فدل هذا الحديث على أنّ قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للأعرابي: «اقرأ ما تيسّر معك من القرآن» ما زاد على الفاتحة، وهو تفسير قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ.
حكم الفاتحة بالنسبة للمأموم: يقرؤها خلف الإمام في كلّ ركعة عند الشافعي، وأحمد، ومالك في المشهور عنه في السّرية، والجهرية، إلا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعا، فإن الإمام يحمل عنه القراءة لإجماعهم على أنه أدركه راكعا: وإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائما منتصبا، ولا يقرأ شيئا بشرط أن لا يشتغل بسنة من تعوّذ، وتوجّه.
وعند أبي حنيفة: لا يقرأ المأموم خلف الإمام في السّرية، ولا في الجهرية؛ لعموم قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [204] : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ انظر شرحها هناك، فإنّه جيّد، والحمد للّه.
تنبيه بل فائدة: من تعذّر عليه بذل جهده، فلم يقدر على تعلم الفاتحة، أو شيء من القرآن، ولا علق منه بشيء لزمه أن يذكر اللّه في موضع القراءة بما أمكنه، من تكبير، أو تهليل، أو تحميد، أو تسبيح، أو تمجيد، أو لا حول ولا قوة إلا باللّه؛ إذا صلى وحده، أو مع إمام فيما أسرّ به الإمام، فقد روى أبو داود، وغيره عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه، قال: «قل:
سبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللّه». قال: يا رسول اللّه! هذا للّه؛ فما لي؟ قال: «قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني» .