تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، ج 1، ص: 102
فعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص- رضي اللّه عنهما-، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
«إنّ اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتّى إذا لم يبق عالما؛ اتّخذ الناس رؤوسا جهّالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلّوا» . أخرجه البخاري. فهذا الذي عناه القرطبي، ولم يذكره، ثم ذكر ما يلي، فقال: روى النّسائيّ في المسند الصّحيح له عن ابن عمر: أن رجلا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أيّ البقاع خير؟ قال: «لا أدري حتّى أسأل جبريل، فسأل جبريل، فقال: لا أدري حتّى أسأل ميكائيل. فجاء، فقال: خير البقاع المساجد، وشرّها الأسواق» . وقال الحافظ المنذريّ: رواه الطبرانيّ في الكبير، وابن حبّان في صحيحه.
هذا وقد كان الكثير من العلماء يعتذرون عن الإجابة، ويقول أحدهم: لا أدري، فقد روي عن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما-: أنه قال: أتريدون أن تجعلوا رقابنا جسورا تعبرون عليها إلى جهنّم؟! وقال الإمام مالك- رحمه اللّه تعالى-: سمعت أبا هريرة يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده: لا أدري؛ حتى يكون أصلا في أيديهم، فإذا سئل أحدهم عمّا لا يدري؛ قال: لا أدري. وذكر ابن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. انتهى قرطبي.
أقول: في هذه الأيام كثرت الفتاوى بعلم، أو بغير علم، والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النّار» ، فترى بعض الجهال ينصب نفسه مفتيا، وقاضيا؛ ليضلّ الناس، ويقطع من مال هذا، ويعطي ذاك، والطّامّة الكبرى عند ما ينصب نفسه مفتيا للطّلاق، ويسلب أموال الناس بفتاواه الضّالة المضلّة، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنّة، رجل قضى بغير الحقّ فعلم ذاك، فذاك في النّار، وقاض لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النّار، وقاض قضى بالحقّ، فذلك في الجنة» . رواه أبو داود، والترمذيّ وابن ماجه عن أبي بريدة، عن أبيه- رضي اللّه عنه- وهذا لفظ التّرمذيّ.
الإعراب: قالُوا: ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. سُبْحانَكَ: مفعول مطلق، فعله محذوف، كما رأيت، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والجملة الحاصلة منه ومن فعله المحذوف في محل نصب مقول القول، وهذا عند الخليل، وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف، وهو ضعيف لا يعتدّ به. لا: نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ، عِلْمَ: اسمها مبني على الفتح في محل نصب. لَنا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: قالُوا ... إلخ: مستأنفة لا محل لها.
إِلَّا: حرف حصر لا محل له. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من اسم لا على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، أو هو في محل رفع بدل من لا وما عملت فيه؛