وقد جمعوا في هذا الفعل أنّهم ضلوا وأضلُّوا، وكذبوا على الله، وضمُّوا إلى ذلك حُبَّ الدنيا، وهذا الوعيد مرتَّب على كتابة الكتاب المحرَّف، وعلى إسناده إلى الله تعالى وكلاهما منكرٌ، والجمع بينهما أنكر، وهذا يدلُّ على تحريم أخذ المال على الباطل، وإن كان برضا المعطي {فَوَيْلٌ لَهُمْ} ؛ أي: العقوبة العظيمة ثابتةٌ لهم {مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} ؛ أي: من أصل كتابهم إيّاه {وَوَيْلٌ لَهُمْ} ؛ أي: عذابٌ شديد حاصلٌ لهم {مِمَّا يَكْسِبُونَ} ؛ أي: من أصل كسبهم وأخذهم الرشوة، وعملهم المعاصي، وأصل الكسب: الفعل لجر نفعٍ أو دفع ضرٍّ، ولهذا لا يوصف به سبحانه وتعالى.
وكتابتهم مقدّمةٌ نتيجتها كسب المال الحرام، فلذلك كرَّر الويل في كل واحد منهما؛ لئلّا يتوهم أنَّ الوعيد هو على المجموع فقط، فكل واحد من هذين متوعَّد عليه بالهلاك، وظاهر الكسب هو ما أخذوه على تحريفهم الكتاب من الحرام، وهو الأليق بمساق الآية، وقيل المراد: بما يكسبون الأعمال السيّئة، والمعنى: فويلٌ لهم لأجل ما كتبته أيديهم من الكتاب المحرَّف، وويل لهم لأجل ما يصيبونه ويأخذونه من سفلتهم، ومن الرُّشا والحرام على تحريفهم.
وفي الآيات إشاراتٌ:
الأولى: أنَّ علم الرجل، ويقينه، ومعرفته، ومكالمته مع الله لا يفيده الإيمان الحقيقيّ، إلّا أن يتداركه الله سبحانه بفضله ورحمته، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} وأنَّ الله تعالى كلَّم إبليس وخاطبه بقوله: {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} وما أفاده ذلك الإيمان الحقيقيُّ، إذ لم يكن مؤيَّدًا من الله بفضله ورحمته، ولم يبق على الإيمان بعد العيان، فكيف يؤمن بالبرهان.